سلطة دائرة توحيد المبادئ في الحكم في موضوع الطعن Archives - المدونة https://www.elmodawanaeg.com/tag/سلطة-دائرة-توحيد-المبادئ-في-الحكم-في-مو/ Wed, 07 Oct 2020 11:36:18 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=5.9.8 الطعن رقم 7471 لسنة 45 القضائية (عليا) https://www.elmodawanaeg.com/%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b9%d9%86-%d8%b1%d9%82%d9%85-7471-%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-45-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b6%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d8%a7/ Sat, 28 Mar 2020 15:53:14 +0000 https://elmodawanaeg.com/?p=1175 جلسة 10 من يونيه سنة 2006 الطعن رقم 7471 لسنة 45 القضائية (عليا) برئاسة السيد الأستاذ المستشار الدكتور/ عبد الرحمن عثمان أحمد عزوز رئيس مجلس الدولة […]

The post الطعن رقم 7471 لسنة 45 القضائية (عليا) appeared first on المدونة.

]]>
جلسة 10 من يونيه سنة 2006

الطعن رقم 7471 لسنة 45 القضائية (عليا)

برئاسة السيد الأستاذ المستشار الدكتور/ عبد الرحمن عثمان أحمد عزوز

رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة

وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ محمد أحمد الحسيني عبد المجيد ومحمد رضا محمود سالم وإسماعيل صديق محمد راشد وكمال زكي عبد الرحمن اللمعي ومحمد منير السيد جويفل ومنصور حسني علي غربي والسيد محمد السيد الطحان وغبريال جاد عبد الملاك ود.حمدي محمد أمين الوكيل وسامي أحمد محمد الصباغ.

نواب رئيس مجلس الدولة

………………………………………………………………..

المبادئ المستخلصة:

 (أ) مجلس الدولة– دائرة توحيد المبادئ- سلطتها في الحكم في موضوع الطعن- كما يجوز لهذه الدائرة أن تقتصر في حكمها على البت في المسألة القانونية التي كانت محلا لتناقض الأحكام، أو إقرار مبدأ قانوني على خلاف أحكام سابقة، ثم تحيل الطعن بعد ذلك إلى دائرة المحكمة الإدارية العليا المختصة لتفصل في موضوعه على وفق المبدأ الذي أرسته بحكمها؛ فلا يوجد ما يحول بينها وبين الفصل في الطعن الذي اتصلت به بقرار الإحالة بحكم منهٍ للنزاع دون الوقوف عند القضاء بالمبدأ القانوني الذي يحكم هذا النزاع، مادام أن الطعن قد استقامت عناصره وكان صالحا للفصل فيه([1]).

  • المادة (54) مكررا من قانون مجلس الدولة.

(ب) دعوىالحكم في الدعوى- تسبيب الأحكام– المقصود بالتسبيب والهدف منه- يقصد به أن تحدد الوقائع ومواد القانون ووجه الرأي الذي اعتنقته المحكمة بوضوح كافٍ يؤدي إلى منطوق الحكم منطقا وعقلا، بحيث يرتبط منطوق الحكم بالأسباب المحددة الواضحة التي تحمل هذا المنطوق وتبرره من حيث الواقع والقانون- الهدف من التسبيب تمكين أطراف المنازعة من معرفة السند الواقعي والأساس القانوني الذي أقامت عليه المحكمة حكمها إذا ارتأى أي طرف الطعن على الحكم، وتمكين محكمة الطعن من ممارسة ولايتها القضائية في مراجعة الأحكام المطعون فيها أمامها ووزنها بميزان الحق والعدل، بما هو مدون فيها من منطوق وأسباب واضحة ومحددة.

  • المادتان 176 و 178 من قانون المرافعات المدنية والتجارية، الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1968.

(ج) دعوىالحكم في الدعوى- تسبيب الأحكام– لا تجوز الإحالة إلى الأسباب الواردة في تقرير هيئة مفوضي الدولة كأسباب للحكم- تقرير هيئة المفوضين هو تقرير استشاري، يعد في مسائل قانونية بحتة، وهي من صميم ولاية المحكمة- لا يجوز في هذا المقام قياس هذا التقرير على تقرير الخبير المنتدب في الدعوى توصلا إلى القول بجواز الإحالة إلى الأسباب الواردة بتقرير هيئة مفوضي الدولة واعتبارها أسبابا للحكم- هناك فروق جوهرية بين الحالتين.

  • المادة 135 من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية، الصادر بالقانون رقم 25 لسنة 1968.
  • المادة 27 من قانون مجلس الدولة، الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972.

الإجراءات

في يوم الأربعاء الموافق 4 من يوليو سنة 1999 أودعت هيئة مفوضي الدولة قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها برقم 7471 لسنة 45 القضائية (عليا)، في الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري بالمنصورة بجلسة 12 من يونيه سنة 1999 في الدعوى رقم 1357 لسنة 13ق، القاضي بقبول الدعوى شكلا، وبقبول تدخل المدعى عليهم من الرابع حتى العاشر خصوما منضمين إلى جانب الجهة الإدارية المدعى عليها، وفي الموضوع برفض الدعوى، وإلزام المدعين المصروفات.

وطلبت الهيئة الطاعنة -للأسباب الواردة بتقرير الطعن- الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبإعادة الدعوى إلى محكمة القضاء الإداري بالمنصورة للفصل فيها مجددا، مع إبقاء الفصل في المصروفات.

وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريرا مسببا بالرأي القانوني في الطعن ارتأت فيه الحكم بالطلبات الواردة بتقرير الطعن.

وقد تحدد لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا (الدائرة السادسة) جلسة 17 من أكتوبر سنة2000، وتدوول نظره أمامها على النحو المبين بمحاضر جلساتها، وبجلسة 5/3/2002 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا (الدائرة السادسة) لنظره بجلسة 20/3/2002، وتدوول نظره بجلساتها، وبجلسة 30/4/2003 قضت المحكمة بإحالة الطعن إلى دائرة توحيد المبادئ المشكلة طبقا للمادة 54 مكررا من القانون رقم 36 لسنة 1984 بتعديل القانون رقم 47 لسنة 1972 في شأن مجلس الدولة، بعدها تقدمت هيئة مفوضي الدولة بتقرير مسبب بالرأي القانوني ارتأت فيه الحكم بعدم جواز الإحالة إلى الأسباب الواردة في تقارير هيئة مفوضي الدولة كأسباب للحكم المطعون فيه.

وبعد تداول الطعن أمام المحكمة على النحو الثابت بمحاضر الجلسات قررت إصدار الحكم بجلسة 14/1/2006، ثم مُد أجل النطق بالحكم لجلسات تالية موضحة بمحاضرها، إلى أن تقرر إصداره بجلسة اليوم، حيث صدر وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه لدى النطق به.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة قانونا.

من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.

ومن حيث إن عناصر المنازعة تجمل -حسبما يبين من الأوراق- في أن المدعين أقاموا الدعوى رقم 1357 لسنة 13ق أمام محكمة القضاء الإداري بالمنصورة، طالبين الحكم بإلغاء القرار الإداري رقم 362 لسنة 1989 الصادر عن الوحدة المحلية لمركز المنزلة، وما يترتب على ذلك من آثار، مع إلزام الجهة الإدارية المدعى عليها المصروفات.

وأورد المدعون شرحا لدعواهم أنه بتاريخ 26/8/1989 أصدرت الوحدة المحلية القرار المشار إليه متضمنا إزالة التعدي الواقع منهم بين منازلهم بعرض أربعة أمتار والمتصل بالطريق الزراعي بناحية ميت سلسيل مركز المنزلة، ونعى المدعون على هذا القرار مخالفته للقانون؛ لأنه لا يوجد شارع بين منازلهم، وإنما هو منور لكل منزل مقام بواسطة جدار فاصل بين ملكية كل منهم وذلك منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما، وهو ملكية خاصة لا يحق للجهة الإدارية التدخل فيها إلا بالطريق التي حددها القانون لنزع الملكية، والتي لم تتوفر أسبابها في هذه الحالة.

وتدوولت الدعوى بالجلسات وتقدم أطرافها بالمذكرات والمستندات، وبجلسة 18/12/1990 أصدرت محكمة القضاء الإداري بالمنصورة حكمها المطعون فيه، الذي قضى بقبول الدعوى شكلا، وبقبول تدخل المدعى عليهم من الرابع حتى العاشر خصوما منضمين إلى جانب الجهة الإدارية المدعى عليها، وفي الموضوع برفض الدعوى وإلزام المدعين المصروفات، وذلك على سند من القول بأنه إذا كان المقرر قانونا أنه يجوز للمحكمة أن تستند في حكمها إلى ما ورد بتقرير الخبير المنتدب في الدعوى والإحالة إليه في أسباب حكمها بحيث يصبح هذا التقرير جزءا متمما للحكم، ويعد الحكم معه مسببا تسبيبا كافيا -إذا كان هذا هو الشأن بالنسبة لتقارير الخبراء في الدعاوى- فإنه يصدق من باب أولى في شأن التقارير التي تعدها هيئة مفوضي الدولة في الدعاوى، وهي هيئة موازية تماما للمحكمة، ولها الضمانات نفسها المقررة لأعضاء المحكمة، ومن ثم فإنه يجوز للمحكمة أن تعتمد في أسباب حكمها على ما انتهى إليه تقرير هيئة مفوضي الدولة المقدم فى الدعوى من نتائج متى اطمأنت إلى صحة الأسباب التي تقوم عليها، وأنها مستخلصة استخلاصا سائغا من الأوراق والمستندات، ويكفي في هذا الشأن الإحالة إليها.

لما كان ذلك وكان التقرير المقدم من هيئة مفوضي الدولة في الدعوى قد انتهى -للأسباب التي تأخذ بها المحكمة وتحيل إليها- إلى أن القرار المطعون فيه الصادر بإزالة التعدي الواقع من المدعين على الشارع العام الواقع بين منازلهم قد استقام على أسبابه المبررة له وصدر مطابقا لأحكام القانون، فإن طلب المدعين الحكم بإلغائه يغدو غير قائم على سند صحيح من الواقع والقانون.

………………………………….

ولم يصادف هذا القضاء قبولا لدى هيئة مفوضي الدولة الطاعنة، فأقامت هذا الطعن ناعية على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون استنادا إلى أن الثابت من الأوراق أن مسودة الحكم المطعون فيه لم تشتمل على الأسباب التي بني عليها، بل تضمنت إحالة إلى أسباب التقرير المقدم من هيئة مفوضي الدولة في ذات الدعوى المطعون في حكمها، وبالتالي يكون الحكم المطعون فيه غير مشتمل في مسودته على الأسباب التي بني عليها، ومن ثم يكون باطلا طبقا لحكم المادة 176 وما بعدها من قانون المرافعات، ويتعين الحكم ببطلانه، والأمر بإعادة  الدعوى إلى محكمة القضاء الإداري لتصدر حكمها في النزاع مستوفية أسبابه في المسودة الخطية وباقي شرائطه القانونية، مع إبقاء الفصل في المصروفات للحكم الذي تنتهي به الخصومة طبقا لحكم المادة 184من قانون المرافعات.

بعدها نظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا حيث قررت إحالته إلى هذه المحكمة (الدائرة السادسة) التي أحالته بدورها إلى دائرة توحيد المبادئ المشكلة طبقا للمادة 54 مكررا من القانون رقم 47 لسنة 1972 في شأن مجلس الدولة؛ ذلك أن الدائرة السادسة بالمحكمة الإدارية العليا في حكمها بإحالة هذا الطعن إلى دائرة توحيد المبادئ قد لاحظت أن ثمة اتجاهين يتجاذبان المنازعة محل الطعن:

الاتجاه الأول: وهو ما استقر عليه قضاء المحكمة الإدارية العليا من أنه يتعين تسبيب الأحكام الصادرة عن محاكم مجلس الدولة إعمالا لمقتضى نصي المادتين 176 و 178 من قانون المرافعات المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1968، ومن ثم لا يجوز للمحكمة أن تحيل في حكمها إلى الأسباب الواردة في تقرير هيئة مفوضي الدولة وتعتبرها أسبابا للحكم.

والاتجاه الآخر: هو جواز إحالة الحكم إلى الأسباب الواردة في تقرير هيئة مفوضي الدولة واعتبارها بمثابة أسباب للحكم قياسا على الإحالة إلى الأسباب الواردة في تقارير الخبراء الذين قد تستعين بهم المحاكم إذا ما رأت أن المنازعات المطروحة أمامها تحتاج إلى إعمال الخبرة لإجلاء الجوانب الفنية لوقائع المنازعات أو بعضها.

وهو الاتجاه الذي اعتنقه الحكم المطعون فيه، والذى يثير في الوقت نفسه احتمال عدول المحكمة الإدارية العليا عما استقر عليه قضاؤها في هذا الشأن على سند من أن الأخذ بهذا الاتجاه يحقق فائدة جليلة في سرعة إنجاز الأحكام.

لذا فإن مقطع النزاع المعروض للفصل فيه إنما يكمن في جواز الإحالة إلى الأسباب الواردة في تقرير هيئة مفوضي الدولة كأسباب للحكم المطعون فيه من عدمه.

وحيث إن المادة 54 مكررا من القانون رقم 47 لسنة 1972 الصادر في شأن مجلس الدولة تنص على أنه: “إذا تبين لإحدى دوائر المحكمة الإدارية العليا عند نظر أحد الطعون أنه صدرت منها أو من إحدى دوائر المحكمة أحكام سابقة يخالف بعضها البعض، أو رأت العدول عن مبدأ قانوني قررته أحكام سابقة صادرة من المحكمة الإدارية العليا، تعين عليها إحالة الطعن إلى هيئة تشكلها الجمعية العامة لتلك المحكمة في كل عام قضائي من أحد عشر مستشارا برئاسة رئيس المحكمة…”، وعليه فإنه متى أحيل الطعن إلى هذه المحكمة بالتطبيق لحكم المادة 54 مكررا الواردة آنفا فإن منازعة الطعن برمتها تكون معروضة عليها، ولا يكون ثمة حائل بين هذه المحكمة وبين الفصل في الطعن بكامل أجزائه متى ارتأت ذلك، شريطة أن يكون صالحا للفصل فيه ومهيئا للحكم، حيث تحسم النزاع وتقول في موضوع الطعن كلمة الحق والقانون،كما يكون لهذه المحكمة أن تقتصر في حكمها على البت في المسألة القانونية التي تكشف أوراق الدعوى والطعن عن أنها كانت محلا لتناقض الأحكام الصادرة من المحكمة الإدارية العليا أو فصلت فيها أحكام سابقة على نحو معين، ثم رؤي العدول عن مبدأ قانوني قررته هذه الأحكام، وبعدها تحيل الطعن إلى دائرة المحكمة المختصة لتفصل في موضوع الطعن على هدي ما أصدرته من قضاء في المسألة القانونية التي تقول كلمتها فيها.

وحيث تنص المادة 176 من القانون رقم 13 لسنة 1968 بإصدار قانون المرافعات المدنية والتجارية على أنه: “يجب أن تشتمل الأحكام على الأسباب التى بنيت عليها، وإلا كانت باطلة”.

كما تنص المادة 178 من هذا القانون على أنه: “يجب أن يبين في الحكم المحكمة التي أصدرته، وتاريخ إصداره ومكانه، وما إذا كان صادرا في مادة تجارية أو مسألة مستعجلة، وأسماء القضاة الذين سمعوا المرافعة واشتركوا في الحكم وحضروا تلاوته… وأسماء الخصوم وألقابهم وصفاتهم وموطن كل منهم وحضورهم وغيابهم.

كما يجب أن يشتمل الحكم على عرض مجمل لوقائع الدعوى، ثم طلبات الخصوم، وخلاصة موجزة لدفوعهم ودفاعهم الجوهري… ثم تذكر بعد ذلك أسباب الحكم ومنطوقه…”.

وحيث إن مقتضى نصي هاتين المادتين أنه يتعين أن تصدر الأحكام القضائية مسببة، بأن تحدد الوقائع ومواد القانون ووجه الرأي الذي اعتنقته المحكمة بوضوح كاف يؤدي إلى منطوق الحكم منطقا وعقلا، بحيث يرتبط منطوق الحكم بالأسباب المحددة الواضحة التي تحمل هذا المنطوق وتبرره من حيث الواقع والقانون، وحتى يتمكن أطراف المنازعة من معرفة السند الواقعي والأساس القانوني الذي أقامت عليه المحكمة حكمها، وذلك إذا ما ارتأى أي طرف الطعن على الحكم وإبداء دفاعه بشأن ما أورده من منطوق ونهض عليه من أسباب وذلك أمام محكمة الطعن على نحو يمَكن هذه المحكمة من ممارسة ولايتها القضائية في مراجعة الأحكام المطعون فيها أمامها ووزنها بميزان الحق والعدل بما هو مدون فيها من منطوق وأسباب واضحة ومحددة.

وحيث نظم القانون رقم 25 لسنة 1968 بإصدار قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية أعمال الخبرة باعتبارها طريقا من طرق الإثبات ونوعا من المعاينة الفنية التي تتم بواسطة أشخاص تتوفر فيهم الكفاءة من الجوانب الفنية والمهنية التي لا يستطيع قضاة الحكم الإلمام بها، وأجاز للمحكمة أن تستعين بأي من هؤلاء الخبراء في الحالات التي يتوقف فيها الفصل في النزاع على معرفة بعض النواحي الفنية التي لا يستطيع القاضي التوصل إليها من تلقاء نفسه، خاصة إذا لم تكن هناك وسائل لإثبات ادعاءات الخصوم ولم يكن في الدعوى ما يكفي من الأدلة لتكوين عقيدة المحكمة للفصل فيها، ومن ثم قضى القانون رقم 25 لسنة 1968 في المادة 135 منه بأن للمحكمة عند الاقتضاء أن تحكم بندب خبير واحد أو ثلاثة، ويجب أن تذكر في منطوق حكمها بيانا دقيقا لمأمورية الخبير والأمانة التي يجب إيداعها لحساب مصروفاته، والأجل الذي يتعين على الخبير إيداع تقريره فيه.

وحيث إن المشرع في المادة 27 من القانون رقم 47 لسنة 1972 في شأن مجلس الدولة قد ناط بهيئة مفوضي الدولة تحضير الدعوى وتهيئتها للمرافعة وإيداع تقرير فيها يحدد وقائعها والمسائل التي يثيرها النزاع، وإبداء رأيها القانوني مسببا فيها، وإلا كان الحكم باطلا، وحيث إن هيئة مفوضي الدولة لا تفصل في أي منازعة، وإنما تطرح رأيا استشاريا، للمحكمة أن تأخذ به كله أو بعضه أو تطرحه كله أو بعضه؛ لذا فإنه لا يجوز الإحالة إلى الأسباب الواردة في تقرير هيئة مفوضي الدولة كأسباب للحكم المطعون فيه؛ باعتبار أن هذا التقرير يعد فى مسائل قانونية بحتة، وأن هذه المسائل من صميم ولاية المحكمة.

وحيث إنه لا يجوز في هذا المجال قياس تقرير هيئة مفوضي الدولة في الدعوى أو المنازعة على تقرير الخبير المنتدب فيها للتوصل إلى القول بجواز الإحالة على الأسباب الواردة بتقرير هيئة مفوضي الدولة  واعتبارها أسبابا للحكم؛ حيث إن هناك فروقا جوهرية في الحالتين: فبينما يشترط في المنازعة الإدارية أن يتم تحضيرها وإيداع تقرير بالرأي القانوني فيها من قبل هيئة مفوضي الدولة وإلا كان الحكم الصادر فيها باطلا، فإنه يمكن للمحكمة الفصل في المنازعة دون حاجة إلى ندب خبير فيها ودون الاستعانة بأي عمل من أعمال الخبرة، مادامت المحكمة قد ارتأت بموجب سلطتها التقديرية عدم الحاجة إلى مثل هذه الأعمال، بل إن محاكم مجلس الدولة عادة ما تفصل في أغلب المنازعات الإدارية المطروحة عليها دون حاجة إلى ندب خبراء ودون حاجة إلى الاستعانة بأعمال الخبرة فيها.

إضافة لذلك فإن تقرير الخبير -وكما أشير آنفا- إنما يكون في مسائل فنية تتصل بجوانب من وقائع المنازعة، يستعصي على المحكمة تمحيصها والإلمام بها، وتحتاج إلى عمل من أعمال الخبرة لتجلية هذه الجوانب الفنية وتقَصِّي حقيقتها وتمهيد السبيل أمام المحكمة للفصل فيها، ومن هنا فإن عمل الخبير ومضمون ما ورد بتقريره يشكل عنصرًا من عناصر الإثبات في المنازعة.

أما تقرير هيئة مفوضي الدولة فهو يعرض لجميع وقائع المنازعة وللمسائل والأسانيد والنصوص القانونية الحاكمة لها، ويقوم بإعمالها وتطبيقها توصلا إلى الرأي القانوني فيها، شأنه في هذا شأن الحكم القضائي، بل إن تقرير هيئة مفوضي الدولة قد يقترح ندب خبير في الدعوى، وقد يستند في تحصيل وقائعها وفي إبداء الرأي القانوني فيها إلى ما أبداه الخبير المنتدب فيها من نتائج ومرئيات تتصل بجوانبها الفنية.

وإزاء هذه الفروق الجوهرية والشكلية بين تقرير هيئة مفوضي الدولة وتقرير الخبير فإنه لا يجوز القياس في شأنهما للقول بجواز إحالة المحكمة إلى أسباب تقرير هيئة مفوضي الدولة واعتبارها أسبابا للحكم في المنازعة، حيث يضحى القياس في هذه الحالة خاطئا، ومن ثَم تكون النتائج المترتبة عليه مخالفة لصحيح القانون. وعليه فإنه يتعين أن يشتمل الحكم المطعون فيه على الأسباب الكافية لحمله، ولا تجوز الإحالة في هذا الشأن إلى الأسباب الواردة بتقرير هيئة مفوضي الدولة كأسباب لهذا الحكم.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم جواز الإحالة إلى الأسباب الواردة في تقرير هيئة مفوضي الدولة باعتبارها أسبابا للحكم المطعون فيه، وأمرت بإعادة الطعن إلى الدائرة المختصة بالمحكمة للفصل فيه في ضوء ذلك.

([1]) تراجع كذلك المبادئ أرقام (15/أ) و (16/أ) و (17/د) و (68/أ) و (71/أ) و (101/هـ) و (102/د) و (110/ز) في هذه المجموعة.

The post الطعن رقم 7471 لسنة 45 القضائية (عليا) appeared first on المدونة.

]]>
توحيد المبادئ – الطعن رقم 3219 لسنة 48 القضائية (عليا) https://www.elmodawanaeg.com/%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b9%d9%86-%d8%b1%d9%82%d9%85-3219-%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-48-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b6%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d8%a7/ https://www.elmodawanaeg.com/%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b9%d9%86-%d8%b1%d9%82%d9%85-3219-%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-48-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b6%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d8%a7/#comments Thu, 02 Apr 2020 21:38:15 +0000 https://www.elmodawanaeg.com/?p=1198 جلسة 9 من يونيه سنة 2007 الطعن رقم 3219 لسنة 48 القضائية (عليا) برئاسة السيد الأستاذ المستشار / السيد السيد نوفل رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة […]

The post توحيد المبادئ – الطعن رقم 3219 لسنة 48 القضائية (عليا) appeared first on المدونة.

]]>
جلسة 9 من يونيه سنة 2007

الطعن رقم 3219 لسنة 48 القضائية (عليا)

برئاسة السيد الأستاذ المستشار / السيد السيد نوفل

رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة

وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ محمد أحمد عطية إبراهيم وإسماعيل صديق محمد راشد وكمال زكي عبد الرحمن اللمعي والسيد محمد السيد الطحان وإدوارد غالب سيفين وعبد الباري محمد شكري وعصام الدين عبد العزيز جاد الحق وسامي أحمد محمد الصباغ وحسين علي شحاتة السماك وأحمد عبد العزيز إبراهيم أبو العزم.

نواب رئيس مجلس الدولة

…………………………………………………………………

المبادئ المستخلصة:

 (أ) مجلس الدولة– دائرة توحيد المبادئ- سلطتها في الحكم في موضوع الطعن- كما يجوز لهذه الدائرة أن تقتصر في حكمها على البت في المسألة القانونية التي كانت محلا لتناقض الأحكام، أو إقرار مبدأ قانوني على خلاف أحكام سابقة، ثم تحيل الطعن بعد ذلك إلى دائرة المحكمة الإدارية العليا المختصة لتفصل في موضوعه على وفق المبدأ الذي أرسته بحكمها؛ فلا يوجد ما يحول بينها وبين الفصل في الطعن الذي اتصلت به بقرار الإحالة بحكم منهٍ للنزاع، دون الوقوف عند القضاء بالمبدأ القانوني الذي يحكم هذا النزاع، مادام أن الطعن قد استقامت عناصره وكان صالحا للفصل فيه([1]).

  • المادة (54) مكررا من قانون مجلس الدولة.

(ب) قرار إداري– ركن السبب- يجب أن يقوم القرار الإداري على سبب يبرره حقا وصدقا، أي في الواقع والقانون، باعتباره ركنا من أركان وجوده ونفاذه، وباعتبار أن القرار تصرف قانوني، ولا يقوم أي تصرف قانونى بغير سبب- إذا ذكرت الإدارة سببا لقرارها فإنه يكون خاضعا لرقابة القضاء الإداري للتحقق من مدى مطابقته للقانون أو عدم مطابقته، وأثر ذلك في النتيجة التي انتهى إليها القرار.

(ج) قرار إداري– ركن السبب- العبرة في تقدير مدى مشروعية السبب الذي بني عليه القرار تكون بمراعاة السبب الحقيقي الذي صدر استنادا إليه القرار المطعون فيه- تطبيق: توزيع الجامعة الأمريكية بالقاهرة منشورا ينص على أن سياسة الجامعة تمنع ارتداء النقاب داخل حرمها، وعدم تقديم الجامعة أي دليل على وجود سبب أمني يدعو إلى حظر ارتداء النقاب بها، يكشف عن أن السبب الحقيقي لقرار الحظر هو منع ارتداء النقاب في حد ذاته.

(د) حقوق وحريات عامة– الحرية الشخصية- حرية ارتداء النقاب- أحكامها- ارتداء النقاب ليس محظورا ولا منهيا عنه، فهو من المباحات، وأحد مظاهر الحرية الشخصية- لا يجوز لجهة الإدارة أو أية جهة أخرى حظر ارتدائه حظرا مطلقا- يجوز متى اقتضت الضرورة والمصلحة العامة التحقق من شخصية المرأة؛ نزولا على اعتبارات أمنية أو تعليمية أو خدمية أو لغير ذلك من الاعتبارات التي تقتضي التحقق من شخصية من ترتدي النقاب، وبالقدر اللازم لتحقيق ذلك، وذلك لإحدى بنات جنسها أو لمختص معين من الرجال- حرية ارتداء النقاب لا ينافيها أن تلتزم المرأة المسلمة وفي دائرة بذاتها بالقيود التي تضعها الجهة الإدارية أو المرفق على الأزياء التي يرتديها بعض الأشخاص في مواقعهم من هذه الدائرة لتكون لها ذاتيتها، فلا تختلط أرديتهم بغيرها، كما هو الشأن بالنسبة للقوات المسلحة والشرطة والمستشفيات وغيرها- على المرأة المسلمة التي ارتضت النقاب لباسا لها أخذا بحريتها الشخصية أن تلتزم بما تفرضه تلك الجهات من أزياء على المنتمين لها في نطاق الدائرة التي تحددها، إن هي رغبت في الاندراج ضمن أفراد تلك الدائرة.      

  • المواد 2 و 40 و 41 و 46 و 57 من دستور 1971.

(هـ) جامعات– الجامعة الأمريكية بالقاهرة- إشراف وزارة التعليم العالي على جميع أنشطتها الاتفاقية والبروتوكول اللذان أنشئت بموجبهما الجامعة الأميركية بالقاهرة يؤكدان إشراف جمهورية مصر العربية بواسطة وزارة التعليم العالي على جميع أنشطة الجامعة الأمريكية بالقاهرة، واحترام الأخيرة والتزامها كافة نصوص الدستور المصري والقوانين المطبقة في مصر والتعليمات ومتطلبات السياسة المحلية.

  • المادة 18 من دستور 1971.
  • المادتان الأولى والسابعة من الاتفاقية الموقعة بين الجمهورية العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 21/5/1962 التي أنشئت بموجبها الجامعة الأمريكية بالقاهرة.
  • المواد الأولى والثانية والثالثة والرابعة من قرار رئيس جمهورية مصر العربية رقم 146 لسنة 1976 بالبروتوكول الخاص بوضع وتنظيم الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

(و) قرار إداري– ما يعد قرارا سلبيا- امتناع وزير التعليم العالي، بما له من سلطة الإشراف على أوجه نشاط الجامعة الأمريكية بالقاهرة، عن إلغاء قرار مخالف للقانون صادر عن الجامعة الأميركية بالقاهرة- تطبيق: يعد قرارا سلبيا الامتناع عن إلغاء قرار مجلس عمداء تلك الجامعة بحظر ارتداء النقاب داخلها حظرا مطلقا.

(ز) جامعات– الجامعة الأمريكية بالقاهرة- الإفادة من خدمات المكتبة بها- طبقا للاتفاقية والبروتوكول اللذين أنشئت بموجبهما الجامعة تلتزم الجامعة بتقديم خدمة الانتفاع بالمكتبة تحت إشراف وزارة التعليم العالي بجمهورية مصر العربية لجميع من توفرت فيهم شروط الانتفاع بها- لا يجوز لها أن تمنع من الاستفادة من هذه الخدمة امرأة لمجرد ارتدائها النقاب وتسمح بها لأخرى، وإلا كان في ذلك إخلال بالمساواة إذا كانت كلتاهما ممن يحق لهما استخدام المكتبة- يكون المنع موجبا لتدخل وزارة التعليم العالي لتصويب ذلك.

الإجراءات

في يوم الثلاثاء الموافق 29 من شهر يناير سنة 2002 أودع الأستاذ/… المحامي نائبا عن الدكتور/… المحامي بصفته وكيلا عن الطاعن بصفته قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريرا بالطعن قيد بجدولها برقم 3219 لسنة 48ق.ع في الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري بالقاهرة (الدائرة الثانية) في الدعوى رقم 10566 لسنة 55 ق بجلسة 2/12/2001، القاضي بقبول الدعوى شكلا، وبوقف تنفيذ القرار المطعون فيه، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الجامعة المدعى عليها المصروفات.

 وطلب الطاعن -للأسباب الواردة بتقرير الطعن- قبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبعدم اختصاص محكمة القضاء الإداري ولائيا بالدعوى، واحتياطيا: بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه، وبإلزام المطعون ضدها المصاريف ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين.

وقد تم إعلان الطعن قانونا.

وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريرا بالرأي القانوني ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلا ورفضه موضوعا.

وحددت لنظر الطعن جلسة 1/12/2003 أمام الدائرة الأولى عليا (فحص الطعون)، وبجلسة 3/5/2004 قررت إحالته إلى دائرة الموضوع التي نظرته بجلسة 12/6/2004 وبالجلسات التالية على النحو الثابت بمحاضر الجلسات حتى قررت بجلسة 28/1/2006 إحالة الطعن إلى دائرة توحيد المبادئ المشكلة بالمادة 54 مكررا من القانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة لنظره بجلسة 11/2/2006.

وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريرا بالرأي القانوني ارتأت فيه:

1- أن حقيقة طلبات المدعية في الدعوى المطعون في حكمها بالطعن الماثل -على وفق التكييف القانونى السليم- هي إلغاء قرار وزارة التعليم العالي (بما لها من سلطة الإشراف على أوجه أنشطة الجامعة الأمريكية المختلفة) السلبي بالامتناع عن إلغاء قرار مجلس عمداء الجامعة الأمريكية بالقاهرة فيما تضمنه من أن النقاب غير مسموح ارتداؤه داخل الفصول والمكتبات بالجامعة الأمريكية.

2- أن النقاب غير محظور شرعا، وإنما هو زي مباح للمرأة ارتداؤه على وفق ما تراه تجسيدا لحريتها الشخصية والعقيدية، ولا يجوز لأية سلطة أن تمس هذه الحرية وتلك العقيدة.

وقد تم نظر الطعن بجلسة 11/2/2006 وبالجلسات التالية على النحو الثابت بالمحاضر، وبجلسة 9/12/2006 تقرر إصدار الحكم في الطعن بجلسة 10/2/2007 ثم مد أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم، وفيها صدر هذا الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.

من حيث إن وقائع المنازعة تخلص -حسبما يبين من الحكم المطعون فيه ومن الأوراق- في أن المطعون ضدها:… أقامت الدعوى رقم 10566 لسنة 55ق بإيداع صحيفتها قلم كتاب محكمة القضاء الإداري بتاريخ 8/8/2001، وطلبت في ختامها الحكم بوقف تنفيذ وإلغاء القرار الصادر بمنعها من الدخول لمكتبةِ الجامعة الأمريكية والجامعةِ المدعى عليها مرتديةً النقاب.

وذكرت شرحا لدعواها أنها مشتركة بمكتبة الجامعة الأمريكية منذ أكثر من ثلاثة عشر عاما، حصلت خلالها على درجة الماجستير والدكتوراه لأنها من بين الفئات المسجلة بإحدى الجامعات المصرية للحصول على درجة الماجستير والدكتوراه، حيث إنها تعمل مدرسا مساعدا بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر، وتقوم بعمل أبحاث للحصول على درجة الدكتوراه في اللغة الإنجليزية، وقد فوجئت في الفترة الأخيرة بمنعها من دخول الجامعة المدعى عليها، وعلى وجه التحديد مكتبة الجامعة، بحجة صدور قرار بمنع المتنقبات من الوجود داخل الجامعة أو أي مكان متعلق بالجامعة. ونعت على القرار مخالفته القانون والدستور.

…………………………………

وبجلسة 2/1/2001 صدر حكم محكمة القضاء الإداري المطعون فيه بقبول الدعوى شكلا، وبوقف تنفيذ القرار المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار وإلزام الجامعة المصروفات.

وأقامَت المحكمة قضاءها على أنه بالنسبة للاختصاص فإن الجامعات الخاصة إنما تقوم على مرفق قومي هو مرفق التعليم، الذي يتأبى على أن تخرج المنازعات التي تثار بشأنه أو بمناسبة سيره وأدائه لوظيفته -بحسبانه مرفقا عاما- عن اختصاص قاضي المشروعية، وهو -قولا واحدا- مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري.

وبالنسبة لطلب وقف التنفيذ، وفي مقام ركن الجدية، قام الحكم على أن إسدال المرأة النقاب أو الخمار على وجهها إن لم يكن واجبا شرعيا في رأي، فإنه في رأي آخر ليس بمحظور شرعا، ولا يجرمه القانون، كما لا ينكره العرف، ويظل النقاب طليقا في غمار الحرية الشخصية ومحررا في كنف الحرية العقيدية، ومن ثم لا يجوز حظره بصفة مطلقة أو منعه بصورة كلية على المرأة ولو في جهة معينة أو مكان محدد مما يحق لها ارتياده؛ لما يمثله هذا الحظر المطلق أو المنع الكلي من مساس بالحرية الشخصية في ارتداء الملابس، ومن تقييد للحرية العقيدية، ولو إقبالا على مذهب ذي عزيمة، أو إعراضا عن آخر ذي رخصة، دون تنافر مع قانون أو اصطدام بعرف، بل تعريفٌ وافٍ لصاحبتِه، ومظهرٌ مغرٍ بالحشمة، ورمزٌ داعٍ للخلق القويم عامة، فلا جناح على امرأة أخذت نفسها بمذهب شدَّد بالنقاب ولم ترتكن إلى آخر خفف بالحجاب، أيا كان الرأي حول حق المشرع الوضعي للدستور في الانتصار لمذهب شرعي على آخر في مسألة هي أَدْخَلُ في العبادات، أسوةً بحقه هذا في نطاق المعاملات رفعا للخلاف فيها وتوحيدا للتطبيق بشأنها، فهذا الحق لا يثبت لغير السلطة التشريعية، ولا يجوز للقائمين على المسئولية في غيرها (مثل مجلس الجامعة أو رئيسها أو عمداء الكليات) فرض ذلك الحظر المطلق والمنع التام للنقاب في الجامعة أو الكلية.

 وأضافت المحكمة أنه لما كان البادي من ظاهر الأوراق أن المدعية مقيدة بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر فرع البنات بالقاهرة للحصول على درجة الدكتوراه، ومشتركة في مكتبة الجامعة الأمريكية، وتقوم بسداد الاشتراكات اللازمة، وهي من ضمن الفئات التي سمحت لها الجامعة المذكورة بالتردد عليها للاطلاع والاستفادة في البحث، إلا أنها فوجئت بأن الجامعة تحول بينها وبين التردد عليها وحرمتها من الدخول والاستفادة من مكتبتها على سند من أنها ترتدى النقاب عملا بقرار مجلس عمداء الكليات المقدم ضمن حافظة مستندات الجامعة بجلسة 28/10/2001، فمن ثم فإن حرمان المدعية من دخول الحرم الجامعي والتردد على المكتبة استنادا إلى هذا القرار يكون مخالفا للدستور والقانون، ويضحى بحسب الظاهر من الأوراق معيبا، مما يرجح إلغاءه، ويتوفر معه ركن الجدية في طلب وقف تنفيذه، فضلا عن توفر ركن الاستعجال لما يترتب على تنفيذه من نتائج يتعذر تداركها تتمثل في حرمان المدعية من مواصلة البحث للحصول على درجة الدكتوراه والتأثير في مستقبلها العلمي بدون سند مشروع، ومن ثم يتعين الحكم بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار.

…………………………………

ومن حيث إن الجامعة الأمريكية بالقاهرة لم ترتض الحكم المذكور، فأقامت الطعن رقم 3219 لسنة 48ق.ع أمام الدائرة الأولى عليا تأسيسا على مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون فيما يتعلق بالاختصاص بالطعون ضد قرارات الجامعة الأمريكية باعتبارها شخصا قانونيا خاصا، ولا تقاس في هذا الشأن على الجامعات الخاصة المصرية.

كما شاب الحكم فساد في الاستدلال؛ لأن المدعية ليست من طالبات الجامعة الأمريكية، وقد سمح لها بالتردد على مكتبة الجامعة على وفق نظام خاص وعلى سبيل الاستثناء.

كما خالف الحكم الطعين قضاء المحكمة الدستورية العليا في حكمها فى الطعن رقم 8 لسنة 17ق (دستورية) بجلسة 18/5/1996، وخالف أيضا أحكام المحكمة الإدارية العليا المتعددة.

وأخيرا فإن الحكم الطعين قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه وتأويله فيما قضى به من مساس القرار المطعون فيه بحرية العقيدة والحرية الشخصية، فإلزام الطالبات بإظهار وجوههن بهدف المحافظة على الأمن لا يمس حرية العقيدة ولا الحرية الشخصية.

وطلبت الجامعة الطاعنة في ختام تقرير الطعن الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبعدم اختصاص القضاء الإداري ولائيا بالدعوى، واحتياطيا بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه، وبإلزام المطعون ضدها المصاريف ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين.

…………………………………

ومن حيث إنه قد تبين للمحكمة الإدارية العليا (الدائرة الأولى-موضوع) أنه سبق للمحكمة الإدارية العليا أن قضت بجلسة 1/7/1989 في الطعنين رقمي 1316 و 1905 لسنة 34ق.ع بعدم جواز حظر ارتداء النقاب؛ لما يمثله الحظر من مساس بالحرية الشخصية، واستمر قضاء هذه المحكمة بتطبيق هذا المبدأ في أحكامها الصادرة بجلسة 15/6/1999 في الطعون أرقام 4234 و 4235 و 4236 و 4237 و 4238 لسنة 40ق.ع، وبجلسة 11/4/1999 في الطعن رقم 4142 لسنة 42ق. وبجلسة 18/7/1999 في الطعن رقم 2106 لسنة 42ق.

وبجلسة 5/12/1999 عدلت المحكمة عن تطبيق هذا المبدأ، وقضت بأنه لا تثريب على رئيس جامعة المنصورة -وهو القائم على شئونها- أن يضع من الضوابط التي تلتزم بها الكلية بأن يكون دخول الطلبة والطالبات بالزي المعتاد المألوف، وانتهت المحكمة إلى إلغاء حكم محكمة القضاء الإداري الصادر بوقف تنفيذ قرار منع دخول الجامعة لمن ترتدي النقاب، وبرفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه.

 وإزاء الخلاف السابق في الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية العليا في شأن مدى أحقية المرأة المسلمة في ارتداء النقاب حال تعاملها مع بعض الجهات في ظل أحكام الشريعة الإسلامية والمبادئ الدستورية والقانونية المقررة -وذلك على النحو المبين سالفا- فقد قررت الدائرة الأولى إحالة الطعن المقام أمامها إلى هذه الهيئة إعمالا لحكم المادة 54 مكررا من القانون رقم 47 لسنة 1972.

 …………………………………

– وحيث إنه عما دفعت به الجامعة الطاعنة من عدم اختصاص مجلس الدولة بنظر المنازعة الماثلة تأسيسا على أن الجامعة الأمريكية بالقاهرة تعد شخصا قانونيا خاصا وليست سلطة إدارية، وأن المنازعات التي تثار بينها وبين غيرها من الأشخاص القانونية الخاصة لا ينطبق عليها وصف المنازعات الإدارية، وتخرج عن اختصاص مجلس الدولة.

وحيث إنه بالرجوع إلى الاتفاقية الموقعة بين الجمهورية العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية بالقاهرة بتاريخ 21/5/1962 (التي نفذت في ذات التاريخ وأنشئت بموجبها الجامعة الأمريكية)، يبين أنها نصت في المادة الأولى من هذه الاتفاقية (بند د) على أن: “إنشاء مراكز ومؤسسات ثقافية ببلد الطرف الآخر بشروط يتفق عليها في كل حالة وفقا للقوانين والنظم المتبعة بالبلد الذي قد تنشأ به تلك المؤسسات”.

ونصت المادة السابعة من ذات الاتفاقية على أنه: “لن تؤثر الاتفاقية على تغيير القوانين المنفذة بأي بلد، وبالإضافة إلى ذلك يتم التعهد بالوفاء بمسئوليات كل حكومة المحددة بهذه الاتفاقية بما يتفق مع دستور كل منها والقوانين والتعليمات ومتطلبات سياستها المحلية”.

 ثم صدر قرار رئيس جمهورية مصر العربية رقم 146 لسنة 1976 ( بعد موافقة مجلس الشعب) بالبروتوكول الخاص بوضع وتنظيم الجامعة الأمريكية بالقاهرة بتاريخ 13/11/1975، واعتبرت الحكومة الأمريكية هذه الجامعة معهدا ثقافيا يدخل في نطاق المادة الأولى فقره (د) من الاتفاق الثقافي المشار إليه.

 ونصت المادة الأولى من هذا البروتوكول على أن: “تهدف الجامعة الأمريكية باعتبارها معهدا ثقافيا إلى ما يلي:

(أ) تشجيع وزيادة التعاون الثقافي والعلمي بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية في ميدان التعليم العالي والبحث العلمي والفني والأدبي، وبمراعاة ألا يتعارض مع القوانين المعمول بها في مصر…

(ب)…”.

وتنص المادة الثالثة من البروتوكول على أن: “تسير سياسة الجامعة في تعيين أعضاء هيئة التدريس علي النحو التالي: (أ)… (ب)… (ج) تعرض أسماء غير المصريين من المرشحين لشغل الوظائف الإدارية الرئيسية أو وظائف هيئة التدريس أو المطلوب تجديد مدة استخدامهم على السلطة المصرية المختصة (وزارة التعليم العالى).

وتنص المادة الرابعة على أن: “للحكومة المصرية الحق في تعيين مستشار مصري بموافقة مجلس الأمناء يشارك في إدارة الجامعة الأمريكية والإشراف على أوجه نشاطها المختلفة ويعمل بصفة أساسية كحلقة اتصال بين السلطات المصرية المختصة وبين إدارة الجامعة…”.

وتنص المادة الثانية على أن: “تعتبر الدرجات العلمية… وفي حالة قيام الجامعة الأمريكية بمنح درجات أخرى تشكل لجنة مشتركة بوزارة التعليم بناء على طلب الجامعة الأمريكية للنظر في الاعتراف بهذه الدرجات والشهادات العلمية”.

وتنص المادة التاسعة على أنه: “إذا رغبت الجامعة الأمريكية في إنشاء درجات أو معاهد جديدة غير القائمة فعلا فلا بد من الحصول على موافقة وزارة التعليم العالي بعد استشارة لجنة مشتركة من وزارة التعليم العالي والجامعة الأمريكية”.

ومن حيث إن الاتفاقية والبروتوكول بما تضمناه من نصوص تؤكد إشراف جمهورية مصر العربية بواسطة وزارة التعليم العالي على جميع أنشطة الجامعة الأمريكية بالقاهرة واحترام الأخيرة والتزامها بكافة نصوص الدستور المصري والقوانين المطبقة في مصر والتعليمات ومتطلبات السياسة المحلية على حد عبارة المادة السابعة من الاتفاقية.

ومن حيث إن طلبات المطعون ضدها في الدعوى المبتدأة تتمثل –على وفق التكييف القانوني الصحيح- في إلغاء قرار الجهة الإدارية المختصة في مصر (وزارة التعليم العالي) السلبي بالامتناع عن إلغاء قرار مجلس العمداء القاضي بأن النقاب غير مسموح بارتدائه داخل الفصول والمعامل ومكتبات الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والذي تأكد بقرار الجامعة الصادر عن مقرر سياسة الجامعة في 23/1/2001 بأن: “تنص سياسة الجامعة الأمريكية بالقاهرة على منع ارتداء النقاب في أي مكان داخل الجامعة”، وهما من القرارات الإدارية التي يختص بنظرها مجلس الدولة، فيتعين بالتالي رفض الدفع المبدى من الجامعة الأمريكية في هذا الخصوص.

– ومن حيث إنه عن الموضوع فإن النزاع الماثل ينحصر في مدى أحقية الجامعة الأمريكية بالقاهرة وغيرها من الجهات فى جمهورية مصر العربية في منع دخول المرأة المسلمة مرتدية النقاب إلى هذه الجهات، وذلك في ضوء أحكام النصوص الدستورية والمبادئ القانونية المقررة، ومن ثم مدى مشروعية قراري الجامعة الأمريكية المبينين سالفا بالحظر المطلق على المطعون ضدها ارتداء النقاب في أي مكان داخل الجامعة المذكورة.

 ومن حيث إن المستفاد من الشريعة الإسلامية (التي هي المصدر الرئيس للتشريع حسب نص المادة الثانية من الدستور) أن زي المرأة المسلمة يجب ألا يكون وصَّافا يُفصل أجزاء الجسم، ولا شفافا، أو لافتا للنظر، ويجب أن يكون ساترا للجسم كله ما عدا الوجه والكفين؛ أخذا بقول الله تعالى في سورة الأحزاب: “يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن…” (الآية 59)، أما نقاب المرأة التي تغطي به وجهها، وقفازُها الذي تغطي به كفيها فجمهور الفقهاء اتفق على أن ذلك ليس واجبا، وأنه يجوز لها أن تكشف وجهها وكفيها أخذا من قوله تعالى: “ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها…” (سورة النور الآية 31)، حيث فسر جمهور الفقهاء من السلف والمعاصرين ما يظهر من الزينة بالوجه والكفين؛ لأن الغالب هو ظهورهما عادة وعبادة، وذلك في الصلاة والحج، فلزم أن يكون الاستثناء راجعا إليهما، ولو كانت المرأة مفروضا عليها شرعا إخفاء وجهها بنقاب وكفيها بقفاز ما كان هناك حاجة لأن يأمر الله تعالى المؤمنين بأن يغضوا من أبصارهم في قوله تعالى: “قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم” (سورة النور الآية 30)؛ إذ ليس ثمة ما يُبْصَرُ حتى يُغضَّ عنه.

ومن حيث إنه متى كان ما تقدم وإذ لم يقم دليل صريح من القرآن والسنة على وجوب إخفاء الوجه والكفين، ومن ثم فإن ارتداء النقاب ليس محظورا ولا منهيا عنه، فهو من المباحات، ولا يجوز إخراجه من أصل الإباحة إلى الحظر المطلق والمنع التام، وعليه فإن ستر الوجه والكفين للمرأة المسلمة ليس فرضا، وإنما يدخل في دائرة المباح، فإن سترت وجهها وكفيها فهو جائز، وإن كشفتهما لاختلاف الأحوال واحتياجاتها للخروج لبعض شئونها أو العمل خارج بيتها والتعامل مع جميع الجهات فقد أتت بما رُخص لها به فى حدود الحاجة والضرورة وبرأت ذمتها.

ومن حيث إن المادة (2) من دستور جمهورية مصر العربية تنص على أن: “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”.

كما تنص المادة (18) منه على أن: “التعليم حق تكفله الدولة، وهو إلزامي في المرحلة الابتدائية، وتعمل الدولة على مد الإلزام إلى مراحل أخرى، وتشرف على التعليم كله…”.

 وتنص المادة (40) من الدستور على أن: “المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة”.

وتنص المادة (41) من الدستور على أن :” الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تمس…”.

 كما تنص المادة (46) على أن: “تكفل الدولة حرية العقيدة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية”.

وتنص المادة (57) على أن: “كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون جريمة…”.

ومن حيث إنه يبين من ذلك أن المشرع الدستورى أضفى سياجا من الحماية على الحرية الشخصية وعلى الحقوق والحريات العامة، ولما كان ارتداء النقاب بالنسبة للمرأة المسلمة هو أحد مظاهر هذه الحرية فإنه لا يجوز لجهة الإدارة أو أية جهة أخرى حظر ارتدائه حظرا مطلقا، فكما يترك للمرأة عموما الحرية في أن ترتدي ما تشاء من الثياب غير مقيدة في ذلك بضوابط الاحتشام نزولا على الحرية الشخصية، فإنه يحق كذلك للمرأة المسلمة أن ترتدي الزي الذي ترى فيه المحافظة على احتشامها ووقارها، وألا تكون ثمة تفرقة غير مبررة بين الطائفتين لا سند لها من القانون أو الدستور.

ومن حيث إنه متى كان ستر الوجه والكفين للمرأة المسلمة ليس فرضا وإنما يدخل في دائرة المباح شرعا، والمكفول بالحماية دستوريا، وأنه بالتالي لا يجوز حظر ارتداء النقاب حظرا مطلقا، لتعارض ذلك مع الحرية الشخصية التي كفلها الدستور، فإنه يجوز متى اقتضت الضرورة والمصلحة العامة التحقق من شخصية المرأة نزولا على مقتضيات الأمن العام، أو لتلقي العلم والخدمات المختلفة، أو لأدائهما، أو لغير ذلك من الاعتبارات التي تتطلبها الحياة اليومية المعاصرة والتي تستوجب التحقق من شخصية المرأة متى طلب منها ذلك من الجهات المختصة، وذلك لإحدى بنات جنسها أو لمختص معين من الرجال، وبالقدر اللازم لتحقيق ما تقدم تحت رقابة القضاء.

ومن حيث إنه من ناحية أخرى إذا كان ارتداء النقاب بالنسبة للمرأة المسلمة هو أحد مظاهر الحرية الشخصية فإن هذه الحرية لا ينافيها أن تلتزم المرأة المسلمة وفي دائرة بذاتها بالقيود التي تضعها الجهة الإدارية أو المرفق على الأزياء التي يرتديها بعض الأشخاص في موقعهم من هذه الدائرة لتكون لها ذاتيتها فلا تختلط أرديتهم بغيرها، بل ينسلخون في مظهرهم عمن سواهم ليكون زيهم موحدا متجانسا ولائقا بهم، دالا عليهم ومعرفا بهم وميسرا صور التعامل معهم، فلا تكون دائرتهم هذه نهبا لآخرين يقتحمونها غيلة وعدوانا، ليلتبس الأمر في شأن من ينتمون إليها حقا وصدقا،كما هو الشأن بالنسبة للقوات المسلحة والشرطة والمستشفيات وغيرها.

وترتيبا على ذلك فإن المرأة المسلمة التي ارتضت النقاب لباسا لها أخذا بحريتها الشخصية عليها أن تلتزم بما تفرضه تلك الجهات من أزياء على المنتمين لها في نطاق الدائرة التي تحددها إن هي رغبت في الاندراج ضمن أفراد تلك الدائرة.

ومن حيث إن اختصاص دائرة توحيد المبادئ محدد بنص المادة 54 مكررا من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972 (المضافة بالقانون رقم 136 لسنة 1984) والتي تنص على أنه: “إذا تبين لإحدى دوائر المحكمة الإدارية العليا عند نظر أحد الطعون أنه صدرت منها أو من إحدى دوائر المحكمة أحكام سابقة يخالف بعضها البعض، أو رأت العدول عن مبدأ قانوني قررته أحكام سابقة صادرة من المحكمة الإدارية العليا، تعين عليها إحالة الطعن إلى هيئة تشكلها الجمعية العامة لتلك المحكمة في كل عام قضائي من أحد عشر مستشارا، برئاسة رئيس المحكمة أو الأقدم فالأقدم من نوابه…”.

ومن حيث إن هذا النص يجيز لهذه الدائرة -أخذا بحكم سابق لها في الطعن رقم 3564 لسنة 32ق.ع جلسة 3/6/1990([2])– أن تقتصر في حكمها الذي تصدره بعد اتصالها بالطعن على البت في المسألة القانونية التي كانت محلا لتناقض الأحكام أو إقرار مبدأ قانوني على خلاف أحكام سابقة، ثم تحيل بعد ذلك إلى دائرة المحكمة الإدارية العليا المختصة لتفصل في موضوعه على وفق المبدأ الذي أرسته بحكمها، وذلك على النحو الذي اضطرد عليه قضاء هذه الدائرة، فإن هذا النص أيضا لا يحول بين هذه الهيئة والفصل في الطعن             -الذي اتصلت به بقرار الإحالة- بحكم منهٍ للنزاع، دون الوقوف عند القضاء بالمبدأ القانوني الذي يطبق على هذا النزاع، مادام أن الطعن قد استقامت عناصره وكان صالحا للفصل فيه.

 ومن حيث إن حقيقة طلبات المطعون ضدها (المدعية في الدعوى المطعون في حكمها) على وفق التكييف القانوني السليم الذي تسبغه المحكمة على هذه الطلبات هي إلغاء قرار وزير التعليم العالي -بما له من سلطة الإشراف على أوجه نشاط الجامعة الأمريكية- السلبي بالامتناع عن إلغاء قرار مجلس عمداء الجامعة الأمريكية بالقاهرة الذي نص على أنه: “لأسباب أمنية قرر العمداء أن النقاب غير مسموح ارتداؤه داخل الفصول والمعامل ومكتبات الجامعة الأمريكية بالقاهرة”، وهو ما يقتضي بحث تلك الأسباب الأمنية التي استند إليها قرار مجلس عمداء الجامعة الأمريكية وما إذا كانت صحيحة في الواقع والقانون من عدمه بإنزال المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة بشأن ارتداء النقاب على تلك الأسباب وذلك توصلا للحكم على مدى صحة أو عدم صحة القرار السلبي لوزير التعليم العالي بالامتناع عن إلغاء قرار مجلس عمداء الجامعة الأمريكية المشار إليه.

 ومن حيث إن قضاء المحكمة الإدارية العليا قد استقر على أن القرار الإداري يجب أن يقوم على سبب يبرره حقا وصدقا، أي في الواقع والقانون، باعتباره ركنا من أركان وجوده ونفاذه، وباعتبار أن القرار تصرف قانوني، ولا يقوم أي تصرف قانونى بغير سببه وإذا ما ذكرت الإدارة لقرارها سببا فإنه يكون خاضعا لرقابة القضاء الإداري للتحقق من مدى مطابقته للقانون أو عدم مطابقته، وأثر ذلك في النتيجة التي انتهى إليها القرار.

 وقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن الرقابة على القرارات الإدارية هي رقابة مشروعية تسلطها على القرارات المطعون فيها لتزنها بميزان القانون والشرعية والمصلحة العامة، فتلغيها وتوقف تنفيذها لو تبين صدورها مخالفة لأحكام القانون بصفة عامة، أو انحرافها عن الغاية التي حددها الدستور والقانون لسلامة تصرفات الإدارة (وهي تحقيق المصلحة العامة) إلى استهداف غير ذلك من الأغراض غير المشروعة، والعبرة في تقدير مدى مشروعية السبب الذي بني عليه القرار تكون بمراعاة السبب الحقيقي الذي صدر استنادا إليه القرار المطعون فيه.

ومن حيث إنه بتطبيق ما تقدم على واقعات الطعن الماثل فإن البين من الأوراق أن المطعون ضدها (المدعية فى الدعوى المطعون في حكمها) مشتركة بمكتبة الجامعة الأمريكية منذ أكثر من ثلاثة عشر عاما وقت إقامة دعواها سنة 2001، حيث تعمل مدرسا مساعدا بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر، وكانت تتردد على مكتبة الجامعة الأمريكية للتحضير لرسالة الماجستير التي حصلت عليها بالفعل، ثم ظلت تتردد عليها استعدادا للحصول على درجة الدكتوراه، إلى أن قرر مجلس عمداء الكليات بالجامعة الأمريكية أنه لأسباب أمنية قرر السادة عمداء الكليات منع ارتداء النقاب داخل فصول أو معامل أو مكتبات الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وبناء عليه ولأسباب أمنية يمنع ارتداء النقاب داخل حرم الجامعة الأمريكية بالقاهرة فورا ، وتنفيذا لذلك القرار منعت المطعون ضدها من دخول حرم الجامعة ومكتبتها بسبب ارتدائها النقاب، ولم تقدم الجامعة الطاعنة أي دليل على وجود سبب أمني يدعو إلى منع المطعون ضدها من ارتداء النقاب، كما أجدبت أوراق الطعن الماثل تماما من وجود أي مظهر من مظاهر الإخلال بالأمن داخل الجامعة من المطعون ضدها، وهو ما يعني أن منع ارتداء النقاب داخل الجامعة لم يكن لأسباب أمنية، كما زعم قرار مجلس عمداء الكليات بالجامعة، وإنما السبب الحقيقي هو منع ارتداء النقاب في حد ذاته.

وقد تأكد ذلك بما لا يدع مجالا لأي شك من المنشور الذي قامت الجامعة الأمريكية بتوزيعه والموجه إلى جميع أعضاء مجتمع الجامعة الأمريكية بالقاهرة من مقرر سياسة الجامعة عن موضوع سياسة ارتداء النقاب، والمؤرخ في 23 من يناير 2001 (والذي طويت عليه حافظة مستندات الجامعة ذاتها- مستند رقم 12) حيث نص على ما يلي: “تنص سياسة الجامعة الأمريكية بالقاهرة على منع ارتداء النقاب داخل حرم الجامعة”.

ومن حيث إنه متى كان ذلك، وقد ثبت للمحكمة على وجه القطع واليقين أن السبب الحقيقي لمنع دخول المطعون ضدها حرم الجامعة الأمريكية بالقاهرة ومكتبتها هو كونها ترتدي النقاب، وليس لأي سبب أمني، وكان الحظر المطلق لارتداء النقاب أمرا غير جائز؛ لتنافيه مع الحرية الشخصية التي كفلها الدستور، ولكونه يدخل فى دائرة المباح شرعا على النحو المبين سالفا، فإن القرار المطعون فيه -بالتكييف القانوني السليم الذي أسبغته المحكمة على طلبات المطعون ضدها في دعواها المطعون على حكمها- يكون غير قائم على سبب صحيح في الواقع والقانون، مما يتوفر معه ركن الجدية ويجعله مرجح الإلغاء عند الفصل في موضوعه، فضلا عن توفر ركن الاستعجال المتمثل في حرمان المطعون ضدها من مواصلة دراستها والبحث العلمي مما يؤثر في مستقبلها العلمي، وهي نتائج يتعذر تداركها.

ومن ثم وإذ قضى الحكم المطعون فيه لذلك بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه فإنه يكون متفقا وصحيح أحكام القانون.

ولا ينال من ذلك ما تتذرع به الجامعة الطاعنة من أن نظام المكتبة نظام استثنائي تقوم به الجامعة على سبيل التسامح ويمكنها إلغاؤه في حالة الدخول بالنقاب، فهذا القول مردود بأن الجامعة على وفق الاتفاقية والبروتوكول المشار إليهما سالفا تلتزم بتقديم هذه الخدمة تحت إشراف وزارة التعليم العالي بجمهورية مصر العربية لجميع من توفرت فيهم شروط الانتفاع بها، ولا يجوز لها أن تمنع من الاستفادة من هذه الخدمة امرأة ارتضت بالنقاب وتسمح بها لأخرى تجردت من كثير من زيها، وإلا كان في ذلك إخلال بالمساواة إذا كانت كلتاهما ممن يحق لهما استخدام المكتبة، وهي مساواة كفلها الدستور ونص عليها بصراحة ووضوح، ويكون المنع موجبا لتدخل الوزارة المشار إليها لتصويب ذلك على نحو ما سلف بيانه.

ومن حيث إنه على ما تقدم فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه لقيامه على ركني الجدية والاستعجال مع ما يترتب على ذلك من آثار فإنه يكون متفقا وصحيح حكم القانون، ويكون الطعن عليه على غير أساس من القانون جديرا بالرفض، مع الإشارة إلى أن أخص الآثار المترتبة على وقف تنفيذ القرار هي عدم جواز الحظر المطلق لارتداء النقاب، مع جواز قيام الجامعة الطاعنة بإلزام كل من ترتدي النقاب بالكشف عن وجهها لإحدى بنات جنسها أو لمختص تعينه الجامعة من الرجال متى طلب منها ذلك لاعتبارات أمنية أو تعليمية أو خدمية أو لغير ذلك من الاعتبارات التي تقتضي التحقق من شخصية من ترتدي النقاب، وبالقدر اللازم لتحقيق ذلك تحت رقابة القضاء.

 ومن حيث إن من يخسر الطعن يلزم المصروفات عملا بحكم المادة 184 من قانون المرافعات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدفع بعدم اختصاص مجلس الدولة بنظر المنازعة الماثلة، وباختصاصه، وبقبول الطعن شكلا ورفضه موضوعا، وألزمت الجامعة الطاعنة المصروفات.

([1]) تراجع كذلك المبادئ أرقام (15/أ) و (16/أ) و (17/د) و (67/أ) و 68/أ) و (71/أ) و (101/هـ) و (102/د) في هذه المجموعة.

([2]) منشور بهذه المجموعة برقم (15).

The post توحيد المبادئ – الطعن رقم 3219 لسنة 48 القضائية (عليا) appeared first on المدونة.

]]>
https://www.elmodawanaeg.com/%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b9%d9%86-%d8%b1%d9%82%d9%85-3219-%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-48-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b6%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d8%a7/feed/ 1