ما يدخل في الاختصاص الولائي لمحاكم مجلس الدولة Archives - المدونة https://www.elmodawanaeg.com/tag/ما-يدخل-في-الاختصاص-الولائي-لمحاكم-مجل/ Wed, 08 Apr 2020 14:21:43 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=5.9.8 الطعن رقم 6264 لسنة 57 القضائية (عليا) https://www.elmodawanaeg.com/%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b9%d9%86-%d8%b1%d9%82%d9%85-6264-%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-57-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b6%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d8%a7/ Sat, 04 Apr 2020 17:02:04 +0000 https://www.elmodawanaeg.com/?p=1232 جلسة 7 من مايو سنة 2011 الطعن رقم 6264 لسنة 57 القضائية (عليا) برئاسة السيد الأستاذ المستشار / محمد عبد الغني محمد حسن رئيس مجلس الدولة […]

The post الطعن رقم 6264 لسنة 57 القضائية (عليا) appeared first on المدونة.

]]>
جلسة 7 من مايو سنة 2011

الطعن رقم 6264 لسنة 57 القضائية (عليا)

برئاسة السيد الأستاذ المستشار / محمد عبد الغني محمد حسن

رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة

وعضـويــة الســـادة الأسـاتــذة المستشـارين/ محمد منير السيد جويفل والسيد محمد السيد الطحان ورمزي عبد الله محمد أبو الخير وأحمد أمين حسان والصغير محمد محمود بدران وفريد نزيه حكيم تناغو وعصام الدين عبد العزيز جاد الحق وسامي أحمد محمد الصباغ ومجدي حسين محمد العجاتي وأحمد عبد العزيز أبو العزم.

نواب رئيس مجلس الدولة

………………………………………………………………..

المبادئ المستخلصة:

(أ) اختصاص– أثر حل مجلس الشعب في استمرار المحكمة في نظر بيان حكم القانون في تحديد الجهة المختصة بنظر الطعن في القرارات الصادرة بإعلان نتيجة انتخابات مجلس الشعب- لا يحول حل مجلس الشعب بموجب الإعلان الدستوري المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 13 فبراير 2011 دون هذه الدائرة وبيان حكم القانون في تحديد الجهة المختصة بنظر الطعن في القرارات الصادرة بإعلان نتيجة انتخابات مجلس الشعب، التي تتضمن إعادة الانتخابات بين بعض المترشحين، كما لا يحول دون ذلك ما أُجري من تعديل دستوري على المادة (93) وتضمنته المادة (40) من الإعلان الدستوري، المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 30/3/2011، وتوسيد أمر الفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس الشعب إلى محكمة النقض- هذه المسألة مسألةٌ قانونية تستدعي حسمَ ما أثير بشأنها، ووضعَ مبدأ ينهي الجدل حولها؛ بحسبانها متعلقة بالنظام العام، وترسيمِ الحدود بين اختصاص محاكم مجلس الدولة، واختصاص من وُسِّد إليه الاختصاص بالفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس الشعب.

  • المادتان (40) و (48) من الإعلان الدستوري المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 30/3/2011.

(ب) اختصاص– ما يدخل في الاختصاص الولائي لمحاكم مجلس الدولة– الطعن في القرارات الصادرة بإعلان نتيجة انتخابات مجلس الشعب التي تتضمن إعادة الانتخابات بين بعض المترشحين- مجلس الدولة هو صاحب الاختصاص الأصيل بالفصل في جميع المنازعات الإدارية- القرارات الصادرة عن اللجنة العليا للانتخابات واللجان العامة، ومنها قرارات إعلان نتيجة الانتخابات، قرارات إدارية، والأصل دخول المنازعات القضائية حول مدى مشروعيتها ضمن المنازعات التي تختص محاكم مجلس الدولة بالفصل فيها- استبعادُ المشرع الدستوري الفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس الشعب عن نطاق هذا الاختصاص، وعقدُه لمجلس الشعب، ومن بعدُ لمحكمة النقض، مناطه أن يكون الطعن منصبا على صحة العضوية بمجلس الشعب- لازم ذلك أن يكون الطعن منصبا على آخر إجراء اكتُسبت العضوية بناءً عليه، وهو ما يتمثل في قرار إعلان نتيجة الانتخابات بفوز من فاز من المترشحين– هذا القرار والإجراءات التي أدت إلى ولادته، هو الذي حُجز الاختصاص بالفصل في مدى صحته لمجلس الشعب، ثم لمحكمة النقض، دون غيره من القرارات السابق صدورها عليه، ومنها القرارات الصادرة بإعادة إجراء الانتخابات بين بعض المترشحين، حيث يكون لذوي الشأن الحقُّ في الطعن فيها أمام قاضى المشروعية؛ إذ لا عضوية حالتئذ اكتُسبت يمكن أن تكون محلا لطعن بإبطالها- لو كان المراد غير ذلك لأتى النص على غير ما أتى به.

  • المادتان (93) و (172) من دستور 1971.
  • المادتان (40) و (48) من الإعلان الدستوري المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 30/3/2011.

الإجراءات

بتاريخ 2/12/2010 أودع السيد/… المحامي، بصفته وكيلا عن الطاعن، قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا، تقريرَ طعن قُيد بجدولها العام بالرقم عاليه، طعنا في الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري (دائرة بني سويف والفيوم) في الدعوى رقم 1484 لسنة 11 ق بجلسة 2/12/2010، الذي قضى بعدمِ اختصاصِ المحكمة ولائيا بنظر الدعوى، وإلزام المدعي المصروفات.

وطلب الطاعن –للأسباب المبينة بتقرير الطعن– الحكم بقبول الطعن شكلا، وبصفة مستعجلة: بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا بالطلبات المقدمة أمام محكمة أول درجة، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا بالطلبات، وإلزام المطعون ضدهم المصروفات وأتعابَ المحاماة عن درجتَي التقاضي.

وعُينت لنظر الطعن أمام المحكمة جلسة 4/12/2010، وفيها حضر طرفا الخصومة بوكيليهما، وقدم الحاضر عن الطاعن حافظة مستندات، وأبدى ممثلُ هيئةِ مفوضي الدولة الرأي القانوني بشأن الطعن على النحو الثابت بمحضر الجلسة، حيث ارتأى الحكم برفض الطعن. وبالجلسة نفسها قررت المحكمة إصدار الحكم آخر الجلسة، ثم قررت إحالة الطعن إلى الدائرة الأولى (موضوع) لنظره بجلستها في ذات التاريخ، وفيها نظر الطعن، حيث حضر وكيلا طرفي الخصومة، وآخر الجلسة قررت المحكمة إحالةَ الطعن إلى الدائرة المنصوص عليها بالمادة (54) مكررا من قانون مجلس الدولة، الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972، المعدل بالقانون رقم 136 لسنة 1984؛ لما ارتأته الدائرة الأولى من العدول عن المبدأ الذي ذهبت إليه المحكمة من قبلُ بعدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالفصل في القرار الذي يصدر بشأن انتخابات مجلس الشعب، متضمنا إعادة الانتخاب بين بعض المرشحين، وذلك للأسباب التي أبدتها الدائرة في قرارها الصادر بالجلسة المشار إليها.

وحُددت لنظر الطعن أمام دائرة توحيد المبادئ جلسة 1/1/2011 مع إحالته لهيئة مفوضي الدولة لإعداد تقرير عاجل يودع قبل الجلسة بأسبوع. وقد أودعت الهيئة التقرير بالرأي القانوني، حيث ارتأت الحكم بانحسار ولاية مجلس الدولة منعقدا بهيئة قضاء إداري عن نظر الدعاوى التي تقام طعنا في القرار الصادر بإعلان نتيجة انتخابات مجلس الشعب، متضمنا إعادة الانتخاب بين بعض المرشحين، وانعقاد الاختصاص بنظر هذا النوع من القرارات لمجلس الشعب على وفق حكم المادة (93) من الدستور، وإعادة الطعن إلى الدائرة الأولى (موضوع) بالمحكمة الإدارية العليا للفصل فيه.

وتدوول نظر الطعن أمام دائرة توحيد المبادئ على النحو المبين بمحاضر الجلسات، وبجلسة 5/3/2011 قدم الحاضر عن الدولة مذكرة دفاع، وبهذه الجلسة قررت الدائرة إصدار الحكم بجلسة 2/4/2011، ثم مُد أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم، حيث صدر وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.

ومن حيث إن عناصر المنازعة تتحصل –حسبما يبين من الأوراق– في أنه بتاريخ 1/12/2010 أقام الطاعن الدعوى رقم 1484 لسنة 11 ق بإيداع صحيفتها قلم كتاب محكمة القضاء الإداري (دائرة بني سويف والفيوم)، طالبا الحكم بقبولها شكلا، وبوقف تنفيذ ثم إلغاء إعلان نتيجة انتخاب مجلس الشعب عن الدائرة… ومقرها مركز شرطة… ، وبوقف تحديد موعد الإعادة في 5/12/2010، على أن يتم تحديد موعد آخر، وما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام المدعى عليهم المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وذلك على سند من القول: إنه تقدم للترشح لعضوية مجلس الشعب بانتخابات عام 2010 بالدائرة… مركز شرطة…، إلا أنه فوجئ بإعلان نتيجة الانتخابات التي أجريت يوم 28/11/2010 بإعادة الانتخاب بين بعض المترشحين عن مقعد الفلاحين بهذه الدائرة، ولم يكن هو من بينهم. ونعَى على هذا القرار مخالفتَه للقانون؛ حيث أجريت العملية الانتخابية خلافا للمادة (25) من قانون مباشرة الحقوق السياسية، كما أنه تم اكتشاف حوالي ألف بطاقة انتخابية أو أكثر لمصلحته ملقاةً على الأرض صبيحةَ اليوم التالي. وخلص المدعي إلى طلباته المذكورة آنفا.

وبجلسة 2/12/2010 صدر الحكم بعدم اختصاص المحكمة ولائيا بنظر الدعوى، وإلزام المدعي المصروفات. وشيدت المحكمة حكمها على أساس أنه في ضوء المادتين (93) و (172) من الدستور يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر الطعن في القرارات الإدارية التي تسبق عملية الانتخاب بالمعنى الفنيِّ الدقيق، أما غير هذه القرارات والطعون التي تنصب أساسا على بطلان عملية الانتخاب ذاتها وما قد يشوبها من عوار، والتي تتطلب تحقيقا تجريه محكمة النقض، فهي تنأى عن الرقابة القضائية لمجلس الدولة، وتدخل في اختصاص مجلس الشعب؛ باعتباره المختصَّ بالفصل في صحة عضوية أعضائه، دون أن يغير من ذلك ما قد يثار من تفرقة بين حال ما إذا أسفرت العملية الانتخابية فعلا عن فوز أحد المترشحين واكتساب العضوية، وما إذا لم تسفر العملية الانتخابية عن ذلك، بما يقتضي الإعادة بين المترشحين لعدم حصول أي منهم على الأغلبية المطلقة لعدد الأصوات الصحيحة إعمالا لحكم المادة (15) من قانون مجلس الشعب؛ لأن مناط تحديد الاختصاص المقرر لمجلس الشعب وحدَه أن يكون مردُّ الطعن إلى ما شاب العملية الانتخابية من بطلان، متى أسفرت هذه العملية حالا أو مآلا عن اكتساب العضوية بالمجلس. وإنه بناء على ما تقدم، ولما كانت الدعوى الماثلة تنطوي على نعي موجهٍ لعملية الانتخاب التي أجريت يوم 28/11/2010 بالدائرة… مركز… محافظة بني سويف، فإن الدعوى تنصب على صحة العملية الانتخابية بالمعنى الفني الدقيق، وما نتج عنها من إعادة بين بعض المترشحين دون المدعي، ومن ثم يكون مجلس الشعب هو المختص بالفصل في هذه الدعوى، مما ينحسر معه اختصاص المحكمة ولائيا عن نظرها، وهو ما تقضي به المحكمة.

وإذ لم يرتضِ الطاعن هذا الحكم أقام طعنه الماثل، ناعيا عليه مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه؛ ذلك أن قرار إعادة الانتخابات المطعون فيه لم يترتب عليه تحديد الفائز بمقعد مجلس الشعب عن الدائرة… مركز شرطة… بمحافظة بني سويف، ولذا فمن غير المعقول قانونا أن يُطلب من مجلس الشعب الفصل في الطعن على هذا القرار رغم أنه غير منوط به ذلك من الناحية الفعلية.

…………………………………

ومن حيث إن المسألة القانونية المثارة في الطعن الماثل تتحدد فيما إذا كان مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري هو المختص على وفق المادة (172) من الدستور بنظر الدعاوى التي تقام طعنا على القرار الذي يصدر بشأن انتخابات مجلس الشعب، متضمنا إعادة الانتخاب بين بعض المترشحين، أم أن الفصل في مثل هذه الدعاوى يخرج عن اختصاص مجلس الدولة؛ لاندراج الطعن في القرار المشار إليه ضمن الطعون المعنية في المادة (93) من الدستور سابقا، و(40) من الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة في 30/3/2011 حاليا.

وإنه تجدر الإشارة بداءة إلى أنه لا يحول دون الدائرة وبيان حكم القانون في المسألة المحددة آنفا حلُّ مجلس الشعب بموجب الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي تولى إدارة شئون البلاد، والذي تم نشره بالجريدة الرسمية بتاريخ 13 من فبراير 2011، كما لا يحول دون ذلك ما أُجري من تعديل دستوري للمادة (93) المشار إليها، وتضمنته المادة (40) من الإعلان الدستوري المشار إليه، وتوسيد أمر الفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس الشعب لمحكمة النقض؛ لأن المسألةَ المثارة في الطعن الماثل مسألةٌ قانونية، تستدعي حسمَ ما أثير بشأنها، ووضعَ مبدأ ينهي الجدل حولها؛ بحسبانها متعلقةً بالنظام العام، وترسيمِ الحدود بين اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري، واختصاصِ من وُسِّد إليه الاختصاص بالفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس الشعب بناءً على التعديل الدستوري الذي أدخل على المادة (93) وتضمنته المادة (40) من الإعلان الدستوري المشار إليه.

ومن حيث إنه سبق أن ذهبت المحكمة الإدارية العليا إلى أن الحدودَ الفاصلةَ بين اختصاص مجلس الشعب عملا بحكم المادة (93) من الدستور، واختصاصِ مجلس الدولة على وفق الولاية العامة المقررة له للرقابة على جميع المنازعات الإدارية لا تكمن في تعريف القرار الإداري النهائي الذي تنبسط عليه الرقابة القضائية، وإنما تجد أساسها في نص المادة (93) المشار إليها، التي اختصت مجلس الشعب وحدَه بالفصل في صحة عضوية أعضائه، فالعبرة دائما بالطعن الانتخابي الذي يوجه إلى العملية الانتخابية بمعناها الفني، بدءا من مرحلة التصويت، ثم الفرز، وانتهاءً بإعلان النتيجة، بغض النظر عما يصدر عن اللجان المشرفة على مراحل العملية الانتخابية ذاتها من قرارات أثناء مباشرتها الاختصاصات المنوطة بها؛ ذلك أنه أيا كان وجه الرأي في طبيعة القرارات الصادرة عن اللجان المذكورة أو فيما تباشره من إجراءات أثناء العملية الانتخابية، فإن الأمرَ كلَّه يدخل في صميم العملية الانتخابية بمعناها الدقيق المشار إليه، وتندرج المطاعن الموجهة إلى ما تتخذه اللجان المذكورة من قرارات ضمن الطعن الانتخابي الذي يختص مجلس الشعب وحده بالفصل فيه.

وإن ثمة مغايرة لا ريب فيها بين ما يصدر عن لجان فحص طلبات الترشح ولجان الفصل في الاعتراضات من قرارات، وما تتخذه اللجان الفرعية واللجان العامة القائمة على أمر العملية الانتخابية من إجراءات أو قرارات؛ ذلك أن عمل لجان فحص طلبات الترشح ولجان الفصل في الاعتراضات وما ينجم عنه من قرارات هو أمر سابق ولا شك على العملية الانتخابية، وهي قرارات إدارية نهائية صدرت معبرة عن إرادة اللجنة المختصة التي أصدرتها بمقتضى السلطة المخولة لها قانونا، وقد يكون من شأن تلك القرارات أن تحجب أحد طالبي الترشح لعضوية مجلس الشعب عن أن يمارس حقا دستوريا، هو حق الترشح، أو أن تضفي عليه صفةً غير تلك الصفة التي يجب أن يترشح للعضوية على أساسها، وذلك كله يستنهض ولا شك –عند النعي على تلك القرارات بالبطلان– رقابةَ مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري، بحكم ما خُول له بصريح ما جاء بالمادة العاشرة من قانون مجلس الدولة.

وإن الاختصاص المعقود لمجلس الدولة بنظر المنازعات في القرارات المشار إليها يظل قائما ومعقودا له بغض النظر عن حصول واقعة الانتخاب وإعـــلان نتيجتها؛ لأن المنـــازعة في تلك القــرارات لا صلة لها بالعملية الانتخابية ذاتها، وإنما تظل متعلقة بقرار إداري نهائي مما يختص بنظر الطعن فيه مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري.

وإذا كان ما تقدم فإن الأمر مغاير تماما بالنسبة للجان الفرعية واللجان العامة التي يقتصر دورها على الإعلان، لا عن إرادتها بما لها من سلطة تقديرية، ولكن عن إرادة الناخبين، ومن ثم إذا شاب إعلان تلك الإرادة أي مطاعن أو أخطاء، تكون تلك اللجان قد خرجت عن صحيح الإرادة الحقيقية للناخبين، ومن ثم على صحيح عضوية من تم انتخابه، الأمر الذي يندرج ضمن الطعن الانتخابي الذي يخرج عن رقابة مجلس الدولة، ويدخل في اختصاص مجلس الشعب، الذي له وحده حق الفصل فيه.

وإنه لا وجه لما أثير من أن قرار إجراء انتخابات الإعادة بين مترشحَين بالدائرة أو بين أربعة مترشحين يظل قرارا إداريا يدخل الفصل في الطعن عليه ضمن اختصاص مجلس الدولة، قولا بأن هذا القرار لم يُضفِ صفة العضوية على أي من المترشحين الذين تقرر إجراء الإعادة فيما بينهم، إذ لم تسفر العملية الانتخابية عن فوز مترشح بعينه، وينحسر بالتالي اختصاص مجلس الشعب– لا وجه لذلك؛ لأن الإعلان عن إجراء إعادة الانتخاب بين المترشحين في بعض الدوائر لا يعدو أن يكون مرحلة من مراحل العملية الانتخابية بمعناها الدقيق، والحاصل في قرار الإعادة أنه إعلان للنتيجة التي انتهت إليها لجان الفرز، ومؤداها عدم حصول مترشح بعينه على الأغلبية المطلقة لعدد أصوات الناخبين، مما يتعين معه إعادة الانتخاب؛ لأن مناط الأمر دائما بما يوجه إلى الإعلان عن الإرادة الشعبية من مطاعنَ وأخطاءٍ، مما يظل الفصل فيه معقودا لمجلس الشعب، ويتحقق بذلك ما يقتضيه حسن سير العدالة وسلامة أداء رسالتها من عدم تقطيع أوصال المنازعة الواحدة في صحة العضوية وفي صحة العملية الانتخابية برمتها.

ولا ينال مما تقدم أو يقدح فيه ما يثار من أن انحسار اختصاص مجلس الدولة عن الفصل في الطعن الموجه ضد القرار الصادر بإعادة الانتخاب في بعض الدوائر، في الوقت الذى يخرج نظر الطعن في ذات القرار عن اختصاص مجلس الشعب (ومناطه عملا بحكم المادة 93 من الدستور أن يكون ثمة طعنٌ انتخابيٌ في صحة عضوية من أعلن فوزه بالعضوية) مؤداه وجود خصومة بلا قاضٍ، ومصادرة حق التقاضي؛ لأن هذا النعي غير سديد، إذ الخصومة في هذه الحالة لم تكتمل مقوماتها؛ لأن أمر العضوية الذي هو جوهر الخصومة لم يحسم بعد، وبالتالي فإن وقت ممارسة الحق في الطعن الانتخابي على النحو الذي حدده الدستور ونظمه قانون مجلس الشعب لم يحن بعد، ويظل حق ذوى المصلحة في ممارسة حقهم في الطعن قائما حتى يتم الإعلان عن فوز مترشح بعينه بالعضوية، ثم ينفتح لهم باب الطعن أمام مجلس الشعب.

(المحكمة الإدارية العليا في الطعون أرقام 646 لسنة 42 ق.ع بجلسة 17/11/1996، و2621 لسنة 47 ق.ع بجلسة 4/12/2004 ، و3336 لسنة 47 ق.ع بجلسة 26/2/2005، و3344 لسنة 47 ق.ع بجلسة 4/6/2005، و3343 لسنة 47 ق.ع بجلسة 19/11/2005 ، و 7504 لسنة 52ق.ع بجلسة 24/2/2007)

ومن حيث إن مقطع النزاع حول المسألة القانونية المثارة يتمثل فيما إذا كان الطعن في قرار إعلان نتيجة انتخابات مجلس الشعب الذي يصدر متضمنا إعادة الانتخاب بين بعض المترشحين يدخل -على وفق حقيقة مراد المشرع الدستوري- ضمن الطعون التي أُخرجت عن نطاق اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري، والتي مناطها الفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس الشعب، أم أنه لا يدخل ضمن تلك الطعون ويظل الاختصاص بالفصل فيها معقودا لمجلس الدولة.

ومن حيث إن المادة (93) من الدستور والمادة (172) منه (واجبتي التطبيق إبان صدور القرار الطعين في الدعوى الصادر بشأنها الحكم المطعون فيه بالطعن الماثل) تنص أولاهما على أن: “يختص المجلس بالفصل في صحة عضوية أعضائه. وتختص محكمة النقض بالتحقيق في صحة الطعون المقدمة إلى المجلس بعد إحالتها إليها من رئيسه… ولا تعتبر العضوية باطلة إلا بقرار يصدر بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس”.

وتنص ثانيتهما على أن: “مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة. ويختص بالفصل في المنازعات الإدارية وفي الدعاوى التأديبية، ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى”.

وقد امتد التعديل الدستوري لبعض مواد الدستور إلى المادة (93)، ونيط بمحكمة النقض اختصاص الفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس الشعب، وهو ما تضمنته بعد ذلك المادة (40) من الإعلان الدستوري المشار إليه آنفا.

ومقتضى ذلك: أن مجلس الدولة هو صاحب الاختصاص أصالة بالفصل في جميع المنازعات الإدارية، بما يعني أنه متى توفر للمنازعة مناط اعتبارها منازعة إدارية كان الاختصاص بالفصل فيها معقودا لمجلس الدولة، بيد أن المشرع الدستوري استبعد الفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس الشعب من نطاق هذا الاختصاص بموجب المادة (93) ثم بموجب المادة (40) من الإعلان الدستوري المشار إليه، وهو ما يحتم –على وفق صحيح القواعد الأصولية- أن يتوفر مناط إخراج الطعون المقصودة للمشرع على وفق هذه المادة من نطاق اختصاص مجلس الدولة ومن مظلة ولايته، وإلا لظل الطعن مندرجا طبقا للأصل الدستوري المقنن بالمادة (172) ثم بالمادة (48) من الإعلان الدستوري المشار إليه سالفا ضمن المنازعات التي يختص مجلس الدولة بالفصل فيها، ويتمثل هذا المناط في أن يكون الطعن منصبا على صحة العضوية بمجلس الشعب.

 وبالبناء على ذلك فإنه ولئن كان واجبا استبعاد الطعن الذي يكون موضوعه صحة عضوية أعضاء المجلس المذكور؛ لِعَقد الاختصاص بالفصل فيه على وفق المادة (93) من الدستور و(40) من الإعلان الدستوري لمجلس الشعب سابقا، ولمحكمة النقض حاليا ومنذ الاستفتاء على التعديلات الدستورية بتاريخ 19/3/2011، ثم صدور الإعلان الدستوري ونشره بالجريدة الرسمية؛ فإنه يتحتم أن يوضع هذا الاختصاص في نطاقه –في ضوء هذه المادة– دون انتقاص منه بتضييق، أو افتئات على الاختصاص المعقود لمجلس الدولة بتوسيع؛ إذ إن ما يبدو جليا أن المادة المشار إليها حددت نطاق الاختصاص الذي وُسِّد لمجلس الشعب ثم من بعدُ لمحكمة النقض بالفصل في صحة عضوية أعضاء هذا المجلس، ومن ثم يضحى لازم ذلك أن يكون الطعن الذي يقدم على وفق هذه المادة منصبا على آخر إجراء اكتُسبت العضوية بناءً عليه، ويتمثل هذا الإجراء في قرار إعلان نتيجة الانتخابات بفوز من فاز من المترشحين، ويكون النعي على بطلان الانتخابات هو السبيل للوصول إلى بطلان العضوية، الأمر الذي مؤداه أن هذا القرار، والإجراءات التي أدت إلى ولادته، هو الذي حُجز الاختصاص بالفصل في مدى صحته- وبالتالي مدى صحة عضوية من اكتسب العضوية بصدوره- لمجلس الشعب، ثم لمحكمة النقض، دون غيره من القرارات السابقة صدورا عليه، التي يكون لذوي الشأن حق في الطعن فيها أمام قاضي المشروعية (مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري)؛ بحسبانه القاضي الطبيعي لجميع المنازعات الإدارية، وهذا هو ما يوجبه التفسير السديد للنصوص الدستورية المذكورة آنفا، والتي تتكامل ولا تتنافر، وتتعاضد ولا تتواهن، وتتقارب ولا تتباعد، حتى إن اختلفت مواطن ورودها، إذ يجب النظر إلى كل منها، لا على التفرد في حكمها، بل على أساس تكاملها مع حكم غيرها، بما يتطابق حقا مع مراد مُصدرها وهو الشعب.

ومن حيث إن ما يساند ذلك ويعضده أنه ليس هناك خلافٌ في أن القرارات التي تصدر عن اللجان المختصة بشأن العملية الانتخابية، سواء في ذلك اللجان العامة أو اللجنة العليا للانتخابات، ما هي إلا قرارات إدارية، وآية ذلك ما تتمتع به كل منها من سلطة على وفق أحكام قانوني مباشرة الحقوق السياسية ومجلس الشعب، حيث يتمتع كل منها على وفق الحدود المبينة في مواد هذين القانونين بما يمكنها من الإشراف على العملية الانتخابية من بدئها حتى منتهاها، حيث إن لها سلطة الفصل فيما يقدم إليها من البلاغات والشكاوى المتعلقة بوقوع مخالفات للأحكام المنظمة للعملية الانتخابية، كما هو نص الفقرة الثالثة من المادة (24) من قانون مباشرة الحقوق السياسية المشار إليه، وكذا سلطة إعلان النتيجة على وفق ما تسفر عنه عملية الفرز التي تتولاها لجنة الفرز، التي يرأسها رئيس اللجنة العامة، والتي يكون لها سلطة الفصل في جميع المسائل المتعلقة بعملية الانتخاب، وفي صحة أو بطلان ما أبدي من آراء، وبحيث تصدر قراراتها في جميع ذلك بالأغلبية المطلقة لأصوات أعضائها، وذلك على وفق ما هو منصوص عليه في المواد أرقام (34) و (35) و (36) من هذا القانون، وكذا تحديد من له حق الفوز أو من لهم حق الإعادة، مع مراعاة النسبة المقررة للعمال والفلاحين في ضوء أحكام المادتين (15) و (17) من قانون مجلس الشعب، ثم ما يتلو ذلك من قيام اللجنة العليا للانتخابات بإعلان النتيجة العامة بما هو مخول لها على وفق حكم المادة (37) من قانون مباشرة الحقوق السياسية.

 وإنه ارتفاقا لجميع ذلك لا يمكن القول بأن ما يصدر عن اللجان المشار إليها بشأن العملية الانتخابية ذو طبيعة أخرى غير طبيعة القرارات الإدارية، ومنها على وجه الخصوص قرارات إعلان نتيجة الانتخابات، سواء في ذلك ما كان منها متضمنا إعلان فوز بعض المترشحين أو ما كان متضمنا إعادة الانتخاب بين بعضهم الآخر، وهو ما أدى بالمحكمة الإدارية العليا إلى القول بأن الحدود الفاصلة بين اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري ومجلس الشعب –وقت أن كان مختصا– لا تكمن في تعريف القرار الإداري، وإنما تجد أساسها في نص المادة (93) من الدستور.

وترتيبا على ذلك، ولما كان الأصل دخول المنازعات القضائية حول مدى مشروعية القرارات المشار إليها ضمن المنازعات التي يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالفصل فيها بحسبانه قاضي المنازعات الإدارية على وفق المادة (172) من الدستور ثم (48) من الإعلان الدستوري، فإن اختصاصه هذا يبقى ممتدا إلى كل منازعة تثار بشأن أي من هذه القرارات التي لم يُنتزع اختصاصُه بشأنها، وإذ لم يخرج المشرع الدستوري من نطاق اختصاص مجلس الدولة سوى القرارات الصادرة بإعـــلان فوز أي من المترشحين -على وفق ما سبق– بحسبان أن هذه القرارات هي التي يترتب عليها اكتساب عضوية مجلس الشعب، حيث يكون موضوع الطعن فيها هو مدى صحة هذه العضوية، بما يخرجه عن عداد ما يختص به مجلس الدولة، فمن ثم فإن ما عدا هذه القرارات يظل الفصل فيما يقدم ضدها من طعون معقودا لمجلس الدولة، ومنها على وجه الخصوص: الطعون في القرارات الصادرة بإعادة إجراء الانتخابات بين بعض المترشحين.

يضاف إلى ذلك أن ما سِيق حجةً لإخراج الطعون على هذه القرارات عن ولاية مجلس الدولة من التفرقة بين القرارات التي تصدر عن لجان تلقي طلبات الترشح لعضوية مجلس الشعب ولجان الفصل في الاعتراضات، والتي تصدر قبل العملية الانتخابية وبدء التصويت، والقرارات التي تصدر عن اللجان العامة واللجنة العليا للانتخابات بإعادة إجرائها بين بعض المترشحين- تفرقة غير سائغة؛ ذلك أنه فضلا عما سبق ذكره من أن جميع ما أشير إليه من قرارات ذو طبيعة واحدة، فإن ثمة جامعا آخر يجمع بينها يتمثل في أنها جميعا تنشئ مركزا قانونيا يتحدد به من يكون أهلا لأن يكون محلا للاقتراع من قِبل الناخبين وصولا إلى التمثيل لمجلس الشعب، بَيد أن القرارات التي تصدر عن اللجان الأولى قبل بدء العملية الانتخابية تفسح المجال لجميع المقبول ترشيحهم ليكونوا محلا للاقتراع، بينما القرارات التي تصدر عن اللجان الثانية بإعادة إجراء الانتخابات تحدد من ينفسح لهم المجال ثانية –لكونهم الأجدر– لأن يكونوا محلا للاقتراع الذي ينتج عنه فوز من يحصل منهم على الأغلبية المطلقة للأصوات، ومن ثم اكتساب عضوية مجلس الشعب.

وعلى وفق ما سلف بيانه تتمتع كل من هذه اللجان بسلطة على وفق صحيح حكم القانون وإن اختلف مدى التقدير فيها، الأمر الذي لا مسوغ معه للتفرقة فيما بينها، وإخراج ما يثار من منازعات بشأن بعضها عن نطاق اختصاص مجلس الدولة، مادام لم يتوفر مناط هذا الإخراج باكتساب عضوية مجلس الشعب.

وإنه في ضوء ذلك ليس ثمة مراء في أن قرار إعلان نتيجة الانتخابات بإجراء الإعادة بين بعض المترشحين يولد مركزا قانونيا، سواء بالنسبة لمن لم يحصل على عدد من أصوات الناخبين بما يمكنه من دخول مرحلة الإعادة، أم من حصل على أصوات تؤهله لذلك على وفق ما ينطق به القرار، هذا المركز يخول ذوي الشأن الطعن في القرار المرتب له، وصولا إلى أحقيتهم في دخول انتخابات الإعادة، وحجب من ليس أهلا لها عن دخولها، متى كان هذا القرار مشوبا بالبطلان، لتوفر عيب من عيوب القرار الإداري في شأنه، وذلك دون وجود ما يمنع من إقامة مثل هذا الطعن بحجة التريث حتى يصدر قرار إعلان النتيجة بفوز أحد المترشحين بعد إجراء الإعادة؛ إذ القول بذلك فضلا عما يمثله من منع ذوي الشأن من اللجوء إلى قاضيهم الطبيعي فور نشوء المركز القانوني الماس بهم بالمخالفة لحكم المادة (68) من الدستور (21 من الإعلان الدستوري) والتي نصت على أن: “التقاضي حق مصون ومكفول للناس كـــافة، ولكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي…”؛ فإنه (أي هذا القول) يجعل من قرار إعلان النتيجة بالفوز قرارا مركبا، وهو ما لا يتوفر سنده من قانون أو يقوى دليله من حجة؛ ذلك أنه ليس لزاما حتى يتحقق إعلان النتيجة بفوز أحد المترشحين أن تمر العملية الانتخابية بمرحلتين، وإنما يتحقق مناط الاقتراع على المترشح ثانية بعدم حصول أي من المترشحين على الأغلبية المطلقة لعدد أصوات الناخبين الصحيحة في جولة الاقتراع الأولى، ولو أن قرارَ إعلان النتيجة من تلك القرارات المركبة لوجب أن يمر دوما بالمرحلتين ليكتسب نهائيته وهو ما يخــــالف القانون، ومن ثم فإن القول بوجوب التريث حتى يصدر قرار بإعلان النتيجة بعد إجراء الإعادة للطعن في قرار الإعادة ذاته فيه افتئات على صحيح حكم المادة (93) ثم (40) من الإعلان الدستوري، ومعطل لحق التقاضي المكفول للجميع فور المساس بمراكزهم القــــانونية أو ترتيب مراكز متباينة مع صائب القـــانون، كما أنه قـــول مؤدٍ لا محالة إلى حجب اختصاص قضائي أصيل لمجلس الدولة.

وإنه لا ينال من ذلك ما سِيق حجة لإخراج المنازعة في قرار الإعادة بين بعض المترشحين عن نطاق الاختصاص القضائي لمجلس الدولة من أن اللجان المختصة حينما تصدر هذا القرار يكون دورها مقتصرا على الإعلان، لا عن إرادتها بما لها من سلطة تقديرية ولكن عن إرادة الناخبين، وأن هذا يغاير ما يصدر عن لجان فحص طلبات الترشح ولجان الفصل في الاعتراضات من قرارات إدارية نهائية، إذ تصدر هذه القرارات تعبيرا عن إرادتها بمقتضى السلطة المخولة لها؛ لأن ذلك مردود عليه بما سلف بيانه من أن كلا من اللجان المذكورة، بما فيها اللجان العامة واللجنة العليا للانتخابات تتمتع بسلطة بشأن ما تصدره من قرارات، وإن اختلف مداها حسب موضوعها، إذ كيف يمكن التسليم بانتفاء التقدير عند الفصل فيما يقدم من بلاغات وشكاوى بوقوع مخالفات للأحكام المنظمة للعملية الانتخابية، وبما لا يمكن معه غضُّ الطرْف عن تأثير ذلك في نتيجة الانتخابات في ضوء ما يسفر عنه الفصل في هذه البلاغات والشكاوى، وكذا عند الفصل في صحة أو بطلان الصوت، وكذلك عند تحديد الفائز من بين المترشحين عند تزاحم الفئات مع العمال والفلاحين، وعند تحديد من له حق الإعادة أيضا عند تزاحمهم، حفاظا في الحالتين على نِسب التمثيل وشغل المقاعد طبقا للدستور والقانون.

وإنه إزاء ما تتمتع به اللجان المختصة، سواء لجنة الفرز التي يرأسها رئيس اللجنة العامة أو اللجنة العامة ذاتها أو اللجنة العليا للانتخابات من سلطة تقديرية –في ضوء ما سلف ذكره– تخلص بها إلى تحديد ما يعتد به من أصوات الناخبين على وجه الخصوص، وبالتالي إصدار القرار المنشئ للمركز القانوني فوزا واكتسابا لعضوية المجلس أو إعادة للانتخابات- إزاء ذلك لا يمكن التسليم بانعدام إرادة اللجان المعنية بشأن هذا القرار بعد أن تعمل سلطتها المخولة لكل منها بمقتضى أحكام قانوني مباشرة الحقوق السياسية ومجلس الشعب.

وبالإضافة إلى ما سبق فليس بممكن التسليم بأن العمليةَ الانتخابية بمعناها الدقيق وما تفرزه من إدلاء للناخبين بأصواتهم تعبيرا عن إرادة كل منهم في اختيار من يرى أنه أهل للتمثيل بمجلس الشعب- سببٌ لإخراج المنازعة فيما يصدر من قرارات بإعادة الانتخابات بين بعض المترشحين عن المنازعات التي يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالفصل فيها؛ ذلك لأن التعبير عن إرادة الناخبين لا يمكن أن يمثل سببا سائغا للنيل من اختصاص معقود دستوريا لمجلس الدولة بذات هذه الإرادة التي ولد عنها الدستور، الذي أولى مجلس الدولة ولاية عامة بالفصل في المنازعات الإدارية، والذي جاءت المادة (48) من الإعلان الدستوري ترديدا لما أفرزته هذه الإرادة.

ويعضد ذلك أن مجلس الدولة نفسه هو المختص –دون ريب أو مراء– بالفصل في الطعون الانتخابية الخاصة بانتخابات المجالس الشعبية المحلية، التي قوامها إرادة الناخبين أيضا، والتي تفرزها عملية انتخابية بمعناها الدقيق، بدءا من الإدلاء بالأصوات ثم الفرز وانتهاء بإعلان النتيجة، وليس ثمة فارق يوجب التباين في الحكم القانوني لإخراج منازعة بعينها عن ولاية صاحب الولاية العامة بالفصل في المنازعــات الإدارية.

وليس ثمة محاجة فيما ذهبت إليه هيئة مفوضي الدولة من القول بأن المجالس الشعبية ليست جزءا من السلطة التشريعية التي اختصها الدستور-حماية لاستقلالها- بحكم المادة (93)؛ ذلك أن حماية الاستقلال كما هي واجبة للسلطة التشريعية، فهي مفروضة بالنسبة لمجلس الدولة كهيئة قضائية بألا يُنتزع اختصاص قضائي أصيل له على وفق المادة (172) من الدستور، ومؤكد بالمادة (48) من الإعلان الدستوري، ويُعطى لغيره، رغم عدم تحقق مناط الاختصاص لغير مجلس الدولة، الذي يتمثل في ثبوت العضوية لمن يقام الطعن لإبطال عضويته التي لا ثبوت لها قانونا إلا بإعلان الفوز في الانتخابات بقرار من اللجنة المختصة بذلك، وليس كذلك بحالٍ القرارُ الذي يصدر بإعادة إجراء الانتخابات بين بعض المترشحين، ومن ثم فإن حسن العدالة ومقتضياتها وما توجبه من عدم تقطيع أوصال المنازعة الإدارية يتحتم معه عدمُ انتزاع اختصاص أصيل لمجلس الدولة بالفصل في مدى مشروعية قرار إعلان نتيجة الانتخابات المتضمن إعادة إجرائها بين بعض المترشحين بما يرتبه من حجب البعض الآخر منهم عن الاقتراع عليه ثانية، وبما يمكن أن يصل معه إلى عضوية المجلس، أو بما قد يرتبه من حجب الفوز عمن فاز من أي ممن ذكروا.

 ولا ينال من ذلك ما ذهبت إليه هيئة مفوضي الدولة من أن عدم إخراج المنازعة التي يكون محلها قرار إعلان النتيجة بإعادة إجراء الانتخابات وما قد يسفر عنه الفصل فيها من تعديل للنتائج المعلنة، سواء بالكشف عن أحقية مترشح ما بالفوز بالعضوية دون إعادة، أو بتغييرٍ في من يكون له الحق في دخول انتخابات الإعادة– عدم إخراج مثل هذه المنازعة عن ولاية مجلس الدولة من مؤداه إتاحة السبيل لبسط رقابة مجلس الشعب على قضاء صادر عن مجلس الدولة وهو ما يتعين تجنبه؛ ذلك أن القول ببسط رقابة من قِبل مجلس الشعب أو غيره (محكمة النقض على وفق ما تضمنه الإعلان الدستوري الصادر بتاريخ 30/3/2011) لا يسانده نص، ويتناقض مع المنطق القانوني؛ إذ الفصل بقضاءٍ في مثل هذا القرار، بما يرتب حقًا في خوض انتخابات الإعادة لمن كان محجوبا عن خوضها بموجب هذا القرار، لا صلة له البتة بما قد يقام من طعن فيما بعدُ في صحة عضوية من يعلن فوزه في هذه الانتخابات على وفق قرار إعلان نتيجتها، حتى لو كان الفائز هو من رتب الحكم الصادر لمصلحته تمكينَه من دخولها، إذ الطعن حالتئذ سيكون على القرار الجديد الصادر بإعلان النتيجة بفوزه.

 كما أن الفصل بقضاءٍ في قرار إعادة الانتخابات، بما يرتب اكتساب عضوية مجلس الشعب لمن حُجب عن اكتسابها بعدم إعلان فوزه بموجب هذا القرار، وإن كان لا يمنع الحق في تقديم طعن لإبطال عضويته إلى محكمة النقض (ومن قبلُ كان مجلس الشعب) إلا أن حجية الحكم الصادر عن إحدى محاكم مجلس الدولة بما رتبه من اكتساب للعضوية تعتبر حائلا دون الفصل في مثل هذا الطعن بما يمس هذه الحجية التي تعلو حتى على النظام العام.

وحيث إنه مما يجدر ذكره أن المادة (40) من الإعلان الدستوري المشار إليه آنفا تنص على أن: “تختص محكمة النقض بالفصل في صحة عضوية أعضاء مجلسي الشعب والشورى، وتقدم الطعون إلى المحكمة خلال مدة لا تجاوز ثلاثين يوما من تاريخ إعلان نتيجة الانتخاب، وتفصل المحكمة في الطعن خلال تسعين يوما من تاريخ وروده إليها. وتعتبر العضوية باطلة من تاريخ إبلاغ المجلسين بقرار المحكمة”.

والبادي جليا من هذا النص –وبالنظر على وجه الخصوص إلى صدره وإلى عجزه– أن محكمة النقض التي خلفت مجلس الشعب يتحدد نطاق اختصاصها في الفصل في صحة عضوية أعضاء المجلس، ولا يتأتى الفصل في صحة العضوية والحكم بإبطالها إلا إذا كانت العضوية قد اكتُسبت، وهى دون مراء لا تُكتسب إلا بالقرار الصادر بإعلان النتيجة بالفوز، ومن ثم لا يتأتى القول بامتداد هذا الاختصاص إلى القرارات التي تسبق قرار إعلان الفوز، ومنها القرار الذي يصدر بإعلان نتيجة الانتخابات بإجراء الإعادة بين بعض المترشحين؛ إذ لا عضوية حالتئذ اكتُسبت يمكن أن تكون محلا لطعن بإبطالها. ولو كان المراد غير ذلك لأتى النص على غير هذا النحو، الأمر الذي يتسق مع ما خلصت إليه المحكمة في حكمها الماثل من اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالفصل في الطعن على القرار الذي يصدر بشأن انتخابات مجلس الشعب، متضمنا إعادة الانتخاب بين بعض المترشحين، دون غيره ، حيث لا مقنع في اتجاه المحكمة الإدارية العليا السابق القضاء على وَفقه بعدم اختصاص مجلس الدولة بالفصل في مثل هذا الطعن.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة باختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري دون غيره بالفصل في الدعاوى التي تقام للطعن في القرارات الصادرة بإعلان نتيجة انتخابات مجلس الشعب التي تتضمن إعادة الانتخابات بين بعض المترشحين. وأمرت بإعادة الطعن إلى الدائرة المختصة للفصل فيه.

The post الطعن رقم 6264 لسنة 57 القضائية (عليا) appeared first on المدونة.

]]>
الطعن رقم 12251 لسنة 57 القضائية (عليا) https://www.elmodawanaeg.com/%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b9%d9%86-%d8%b1%d9%82%d9%85-12251-%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-57-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b6%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d8%a7/ Wed, 08 Apr 2020 13:30:00 +0000 https://www.elmodawanaeg.com/?p=1260 جلسة 6 من إبريل سنة 2013 الطعن رقم 12251 لسنة 57 القضائية (عليا) برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ د. محمد عبد الحميد مسعود نائب رئيس مجلس الدولة […]

The post الطعن رقم 12251 لسنة 57 القضائية (عليا) appeared first on المدونة.

]]>
جلسة 6 من إبريل سنة 2013

الطعن رقم 12251 لسنة 57 القضائية (عليا)

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ د. محمد عبد الحميد مسعود

نائب رئيس مجلس الدولة

وعضـوية الســــادة الأسـاتــذة المستشـارين/ يحيى أحمد راغب دكروري وعبد الله عامر إبراهيم سليمان ومحمد عبد العظيم محمود سليمان وفايز شكري حنين ود.عبد الفتاح صبري أبو الليل ومحمد عبد الحميد عبد اللطيف إبراهيم وربيع عبد المعطي أحمد الشبراوي ولبيب حليم لبيب ومحمود محمد صبحي العطار وحسن كمال محمد أبو زيد شلال.

نواب رئيس مجلس الدولة

……………………………………………………………….

المبادئ المستخلصة:

(أ) النيابة العامة– طبيعتها- كما أن النيابة العامة شعبة أصيلة من السلطة القضائية، فهي في الوقت نفسه شعبة من السلطة الإدارية- ما تتولاه من أعمال وما تقوم به من تصرفات على وفق نصوص حاكمة لذلك بقانون الإجراءات الجنائية هو أعمال وتصرفات قضائية تقوم بها وتتخذها بحسبانها شعبة من السلطة القضائية، أما ما تتخذه من قرارات خارج نطاق هذه النصوص فيعوزه السند لإسباغ الصفة القضائية عليه في جميع الأحوال، وعلى وجه الخصوص حينما يكون من اللازم صدور تشريع ينظم كيفية وحدود إصدار مثل هذه القرارات.

(ب) حقوق وحريات– حرية التنقل- الحرية الشخصية بجميع صنوف أوجه ممارستها، بما في ذلك حرية التنقل، سواء داخل البلاد أو إلى خارجها، مصونة ومكفولة دستوريا، بما تكون معه عصيةً على النيل منها بحرمانٍ، أو تقييدٍ لأوجه ممارستها بافتئاتٍ- حظر المشــرع ما يؤدي بها إلى ذلك، مُضَيِّقا من ولوج أي طريق أو اتخاذ أي إجراء مآله تقييد الحرية، بما في ذلك منع الشخص من التنقل، إلا إذا كانت هناك ضرورة استلزمها التحقيق معه صيانةً لأمن المجتمع، وبحيث يصدر بذلك أمر على وفق أحكام القـانون عن القاضي المختص أو النيابة العامة- قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نصي المادتين (8) و (11) من القانون رقم 97 لسنة 1959 في شأن جوازات السفر، وسقوط نص المادة (3) من قرار وزير الداخلية رقم 3937 لسنة 1996، استنادا إلى أن حرية الانتقال تنخرط في مصاف الحريات العامة، وأن تقييدها دون مقتضٍ مشروع إنما يجرد الحريـــة الشخصية من بعض خصائصها، ويقوض صحيح بنيانها- إصدار تشريع لتنظيم الحق في التنقل ومغادرة البلاد، وما يستلزم الحدَّ مؤقتا من ممارسة هذا الحق، هو أمر ضروري، لاسيما أن النص الدستوري غير كاف للتطبيق بذاته.

  • المادة (41) من دستور 1971.
  • المادة (48) من الإعلان الدستوري الصادر في 30 من مارس 2011.
  • المادتان (35) و (42) من دستور 2012.
  • المادتان (8) و (11) من القانون رقم 97 لسنة 1959 في شأن جوازات السفر.
  • المادة (3) من قـرار وزير الداخلية رقم 3937 لسنة 1996.
  • حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 243 لسنة 21 ق. دستورية بجلسة 4/11/2000 بعدم دستورية نصي المادتين رقمي (8) و (11) ([1]) من القانون رقم 97 لسنة 1959 في شأن جوازات السفـر، وبسقوط نص المادة (3) من قـرار وزير الداخلية رقم 3937 لسنة 1996 ([2]).

(ج) اختصاص– ما يدخل في الاختصاص الولائي لمحاكم مجلس الدولة- تختص بالفصل في الدعاوى التي تقام طعنا على القرارات الصادرة عن النيابة العامة بالمنع من السفر([3])– النيابة العامة لا تستنهض ولايتها في خصوص المنع من السفر إلا على وفق قانون ينظم جميع القواعد الشكلية والموضوعية المنظمة لإصدار قرار المنع من السفر- ما يصدر عن النيابة العامة من قرارات بالمنع من السفر يكون غير مصطبغ بالصبغة القضائية ريثما يصدر ذلك القانون.

  • المادة (172) من دستور 1971.
  • المادة (8) من الإعلان الدستوري الصادر في 30 من مارس 2011.
  • المادة (174) من دستور 2012.

الإجراءات

في يوم الأربعاء الموافق 19/1/2011 أودع الأستاذ/… المحامي بصفته وكيلا عن الطاعن قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريرا بالطعن قيد بجدولها العام برقم 12251 لسنة 57 القضائية عليا، وذلك في الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري (الدائرة الأولى) بجلسة 28/12/2010 في الدعوى رقم 22257 لسنة 64 ق الذي قضى: (أولا) برفض الدفع المبدى بعدم اختصاص المحكمة ولائيا بنظر الدعوى وباختصاصها. (ثانيا) بقبول الدعوى شكلا، وبرفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه، وإلزام المدعي مصروفات هذا الطلب.

وطلب الطاعن –للأسباب الواردة بتقرير الطعن– الحكم بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه، على أن يكون التنفيذ بمسودة الحكم الأصلية، مع إلزام المطعون ضدهم المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.

وعين لنظر الطعن أمام الدائرة الأولى (فحص) جلسة 21/2/2011، وتدوول نظره على النحو الموضح بمحاضر الجلسات، وبجلسة 16/5/2011 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى هيئة مفوضي الدولة.

وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرا مسببا بالرأي القانوني ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا بعدم اختصاص محاكم مجلس الدولة ولائيا بنظر الدعوى، وإحالتها إلى محكمة جنايات القاهرة، مع إبقاء الفصل في المصروفات.

وحدد لنظر الطعن ثانية أمام دائرة فحص الطعون جلسة 3/7/2011، وفيها قررت إصدار الحكم بجلسة 24/9/2011، حيث قررت الدائرة إحالة الطعن إلى الدائرة الأولى (موضوع) لنظره بجلسة 12/11/2011، وتدوول نظره أمام هذه الدائرة على النحو المبين بمحاضر الجلسات، وبجلسة 9/6/2012 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى دائرة توحيد المبادئ المشكلة طبقا للمادة (54) مكررا من قانون مجلس الدولة، الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972 المعدل بالقانون رقم 136 لسنة 1984، حيث إن هناك تعارضا بين أحكام الدائرة فيما يتعلق باختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر الدعاوى التي تقام طعنا على القرارات التي يصدرها النائب العام بمنع بعض المواطنين من السفر، حيث ذهبت في بعض أحكامها –بعد صدور حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 243 لسنة 21 ق. دستورية بجلسة 4/11/2000 بعدم دستورية نصي المادتين رقمي (8) و (11) من القانون رقم 97 لسنة 1959 في شأن جوازات السفـــر، وبسقوط نص المادة (3) من قـرار وزير الداخلية رقم 3937 لسنة 1996– إلى عدم اختصاصه ولائيا بنظر مثل هذه الدعاوى، كما هو الشأن في أحكامها الصادرة في الطعون أرقام 4588 و 5190 لسنة 47ق.ع بجلسة 22/2/2003 و 4248 لسنة 47ق.ع بجلسة 9/3/2002 و 3216 لسنة 47ق.ع بجلســـة 8/11/2003 و9359 لسنة 47 ق.ع بجلسة 15/5/2004 و 8791 لسنة 47ق.ع بجلسة 3/7/2004، بينما ذهبت في بعض الأحكام الأخرى إلى اختصاصه بنظرها، ومن هذه الأحكام الحكم الصادر في الطعن رقم 10932 لسنة 47ق.ع بجلسة 1/1/2005، والطعن رقم 305 لسنة 48ق.ع بجلسة 4/2/2006.

وعينت لنظر الطعن أمام دائرة توحيد المبادئ جلسة 1/7/2012، وتدوول نظره على وفق الثابت بمحاضر الجلسات، حيث أودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرا مسببا بالرأي القانوني ارتأت فيه الحكم بعدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر الدعاوى التي تقام طعنا على القرارات الصادرة عن النائب العام بالمنع من السفر، مع إحالة الطعن إلى الدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية العليا للفصل فيه على هذا الأساس، وقدم خلالها الحاضر عن الطاعن مذكرة دفاع وحافظتي مستندات، وبجلسة 1/12/2012 قررت الدائرة إصدار الحكم بجلسة 2/3/2013، وبهذه الجلسة قررت المحكمة مد أجل الحكم لجلسة 6/4/2013 لإتمام المداولة، حيث صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.

وحيث إن عناصر المنازعة تخلص –حسبما يبين من الأوراق– في أنه بتاريخ 13/3/2010 أقيمت الدعوى رقم 22257 لسنة 64ق بإيداع صحيفتها قلم كتاب محكمة القضاء الإداري، وطلب المدعي (الطاعن) في ختامها الحكم بقبولها شكلا، وبصفة مستعجلة بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أهمها رفع اسمه من قوائم الممنوعين من السفر، وفي الموضوع بإلغاء هذا القرار، مع إلزام المدعى عليهما (المطعون ضدهما الأول والثاني) المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة، على أن ينفذ الحكم بمسودته.

وقال المدعي شارحا دعواه إنه بتاريخ 2/3/2010 أصدر المدعى عليه الأول (النائب العام) قرارا بمنعه من السفر وإدراج اسمه على قوائم الممنوعين من السفر استنادا إلى المحضر رقم 156 لسنة 2007 حصر أموال عامة، وقد تقدم بتظلم من هذا القرار، إلا أنه لم يتم البت فيه حتى إقامة هذه الدعوى، ونعى المدعي على القرار المطعون فيه مخالفة القانون على سند من القول بأنه بالرجوع إلى المحضر المشار إليه يتبين أنه قيد برقم 2127 لسنة 2007 جنايات عابدين، وبرقم 76 لسنـــــة 2007 جنايات وســــط القاهـــرة، وقد تدوولت هذه الجناية أمام المحكمة، وحضر المدعي أمامها، وكانت المحكمة تخلي سبيله ولم تأمـر بمنعه من السفر، وبذلك يكون القرار الطعين متعارضا مع مسلك محكمة الجنايات المختصة بنظر القضية سبب المنع من السفر، كما أن المدعي قد حصل على حكم من الجمهورية الفرنسية برقم 6386ف/6 صادر عن مجلس الفصل في المنازعات بين أرباب العمل ومستخدميهم في باريس بتاريخ 4/9/2009 بأحقيته في الحصول على راتبين من فرع شركة مصر للسياحة بباريس وشركة مصر فوياج في الوقت نفسه، وأحقيته في التعويضات والرواتب المتأخرة وهو ما يؤكد عدم صحة اتهامه في المحضر المشار إليه، وجميع ذلك يصم القرار الطعين بمخالفة القانون لعدم قيامه على سبب صحيح فضلا عن تعارضه مع أحكام الاتفاقيات الدولية وما كفله الدستور المصرى من حرية التنقل والسفر.

…………………………………………

وتدوول نظر الشق العاجل من الدعوى على النحو المبين بمحاضر الجلسات، وبجلسة 28/12/2010 صدر الحكم (أولا) برفض الدفع المبدى بعدم اختصاص المحكمة ولائيا بنظر الدعوى وباختصاصها. (ثانيا) بقبول الدعوى شكلا، وبرفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه، وإلزام المدعي مصروفات هذا الطلب.

وشيدت المحكمة قضاءها فيما يتعلق بالدفع المبدى بشأن عدم اختصاص المحكمة على أساس أن نعت القرار المطعون فيه بأنه قرار قضائي أمر يخالف طبائع الأمور؛ ذلك أن اتصال المحكمة الجنائية بالدعوى الجنائية لا يكون إلا بعد تصرف النيابة العامة في التحقيقات، ويستحيل عملا قياس حالة المنع من السفر أو الإدراج من النيابة العامة (وهو محض عمل إداري) على ما يصدر عنها من أوامر بالحبس الاحتياطي التي نظمها المشرع وبيَّن طرق الطعن فيها، ومن ثم فإنه إزاء هذه الطبيعة الإدارية لقرارات النائب العام بالمنع من السفر والإدراج، يكون القضاء الإداري صاحب الاختصاص بمراقبة مشروعيتها، بالإضافة إلى وجود فراغ تشريعي لتنظيم المنع من السفر بعد صدور حكم المحكمة الدستورية العليا بجلسة 4/11/2000 في القضية رقم 243 لسنة 21ق. دستورية، وبالتالي فإن ما يصدر من قرارات تتعلق بالمنع من السفر -أيا كانت سلطة إصدارها- يخضع لرقابة المشروعية التي يباشرها القضاء الإداري لوزنها بميزان القضاء الذي يهدف إلى تحقيق الموازنة بين المصلحة العامة وحريات الأفراد، وذلك إلى حين صدور قانون ينظم حالات المنع من السفر ويبين شروطه وإجراءاته.

أما فيما يتعلق بركن الجدية بشأن وقف تنفيذ القرار المطعون فيه، فقد أقام الحكم قضاءه على أساس أن البين من ظاهر الأوراق أن المدعي قد أجري معه تحقيق في المحضر رقم 156 لسنة 2007 حصر أموال عامة عليا لما نسب إليه من الاستيلاء بغير حق على المبالغ المالية المبينة بالمحضر والمملوكة لجهة عمله، وقد قيدت الدعوى برقم 2127 لسنة 2007 جنايات عابدين، وبرقم 76 لسنة 2007 كلي وسط القاهرة، وبرقم 66 لسنة 2007 جنايات أموال عامة عليا، وما زالت متداولة أمام المحكمة، ومتى كان الأمر على هذا النحو فإن منع المدعي من السفر للخارج يكون قد اقتضته ضرورة استكمال محاكمة المدعي في القضية المذكورة، ولم تكشف الأوراق أو يقدم المدعي ما يفيد انتهاء محاكمته، ومن ثم يكون القرار الصادر بذلك قد قـــام علــى سببه المسوغ له قانونا، وجاء متفقا مع صحيح حكم القانون، الأمـر الذي ينتفي معـــه ركـــن الجدية في طلب وقف تنفيذه، مما يتعين معه القضاء برفضه، ودون حاجة لبحث ركن الاستعجال لعدم جدواه.

…………………………………………

وإذ لم يرتضِ الطاعن هذا الحكم أقام طعنه الماثل على أسباب محصلها أن السبب الذي أقيم عليه قرار منعه من السفر (والذي أقام عليه أيضا الحكم المطعون فيه قضاءه) قد زال بانتهاء محاكمته، حيث صدر الحكم حضوريا في القضية رقم 2127 لسنة 2007 جنايات عابدين (والمقيدة برقم 76 لسنة 2007 كلي وسط القاهرة) بجلسة 5/1/2011 بالحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة، وبرد مبلغ 185351.11 يورو أو ما يعادله بالجنيه المصري، وبتغريمه مبلغا مساويا لما قضي عليه برده، وأمرت المحكمة بوقف تنفيذ عقوبة الحبس والغرامة وقفا شاملا لمدة ثلاث سنوات، وهو الأمر الذي يفقد قرار المنع من السفر شرطا من أهم شروطه، وهو الخشية من هروب الطاعن.

أما فيما يتعلق برد المبلغ المقضي به فإن الحكم مطعون عليه أمام محكمة النقض، وهذا الذي قضى به الحكم نوع من التعويضات المدنية التكميلية للحكم الجنائي يتم تنفيذه على وفق اللوائح والقوانين بشأن تنفيذ الدين المدني.

فضلا عن أن الطاعن له موطن معلوم بالجمهورية الفرنسية تعلمه الشركة التي كان يعمل بها، كما أنه يملك عقارات وأطيانا بجمهورية مصر العربية تغطي قيمة المبلغ المقضي برده.

يضاف إلى ذلك أن قرار المنع من السفر المطعون فيه باطل لمخالفته المادة (208) من قانون الإجراءات الجنائية، كما أنه صدر بعد انتهاء التحقيقات في الاتهام وإحالته إلى محكمة الجنايات وحضوره جلسات المحاكمة، بما تنحسر معه سلطة النائب العام في إصدار قرار منعه من السفر، الأمر الذي يتوفر معه ركن الجدية في طلب وقف التنفيذ خلاف ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه.

…………………………………………

وحيث إن جوهر الإحالة إلى هذه الدائرة ينحصر في الترجيح بين اتجاهين للدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية العليا فيما صدر عنها من أحكام بشأن اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر الأنزعة المتعلقة بإلغاء قرارات المنع من السفر إلى الخارج والتي تصدر عن النائب العام، لاسيما بعد صدور حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 243 لسنة 21ق. دستورية بجلسة 4/11/2000 بعدم دستورية نصي المادتين (8) و (11) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 97 لسنة 1959 في شأن جوازات السفر، وبسقوط نص المادة (3) من قرار وزير الداخلية رقم 3937 لسنة 1996 الصادر تنفيذا لبعض أحكام ذلك القرار بالقانون، حيث ذهب أحد الاتجاهين إلى عدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر الدعاوى التي تقام طعنا بالإلغاء في مثل هذه القرارات، على أساس أن النيابة العامة شعبة أصيلة من السلطة القضائية، تتولى أعمالا قضائية أهمها وظيفة التحقيق التي ورثتها عن قاضي التحقيق، ثم وظيفة الاتهام أمام المحاكم الجنائية، حيث يتعين تمثيلها في تشكيل هذه المحاكم وإلا كان قضاؤها باطلا، وهذا هو ما أكدته المحكمة العليا (المحكمة الدستورية) في قرارها التفسيري في طلب التفسير رقم 15 لسنة 8ق بجلسة 1/4/1978، ومن ثم فإن القرارات والإجراءات التي تتخذها النيابة العامة بحكم وظيفتها القضائية تعد من الأعمال القضائية، وهي المتعلقة بإجراءات التحقيق والاتهام كالقبض على المتهم وتفتيشه وتفتيش منزله وحبسه احتياطيا والتصرف في التحقيق، ســــواء برفــــع الدعوى العموميــة ومباشرتها أم بالتقرير بألا وجه لإقامتها أم بحفظ التحقيق مؤقتا، إلى غير ذلك من الإجراءات والاختصاصات المخولة لها قانونا، وقد خولها الدستور سلطة المنع من التنقل كالمنع من السفر إلى خارج البلاد إذا ما استلزمت ضرورة التحقيق ذلك، وبالتالي تكون القرارات التى تصدر عن النيابة العامة قرارات أو أوامر قضائية وليست قرارات إدارية؛ لأن هذه القرارات تصدر عنها كسلطة تحقيق، وبمناسبة التحقيق وبسببه أيا كان وقت صدور القرار، فيستوي في ذلك أن يصدر قبل بدء التحقيق مباشرة أو أثناءه أو عند إحالة المتهم إلى المحكمة الجنائية المختصة أو بعدها، مادام أنها قدرت إصدار القرار في إطار اختصاصها القضائي، وإعمالا للسلطة المخولة لها في ذلك، كما هو الشأن في إجراءات التحقيق الأخرى، فتوقيت صدور القرار تقدره النيابة العامة باعتبارها السلطة القائمة بالتحقيق والاتهام والأمينة على الدعوى العمومية وهي التي تقدر ذلك، وليس من شأن هذا التوقيت أن يؤثر في الطبيعة القضائية للقرار ويتحول بسببه إلى قرار إداري.

بينما ذهب الاتجاه الآخر إلى اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر مثل تلك الدعاوى على سند من أنه في ضوء المبادئ الدستورية المتعلقة بالحرية الشخصية (ومن دروبها حرية التنقل والهجرة الدائمة أو الموقوتة إلى الخارج) قضت المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 243 لسنة 21 ق. دستورية المشار إليها بعدم دستورية نصي المادتين (8) و (11) من القانون رقم 97 لسنة 1959 في شأن جوازات السفر، وكذلك بسقوط نص المادة (3) من قرار وزير الداخلية رقم 3937 لسنة 1996، استنادا إلى أن حرية الانتقال تنخرط في مصاف الحريات العامة، وأن تقييدها دون مقتضٍ مشروع إنما يجرد الحرية الشخصية من بعض خصائصها ويقوض صحيح بنيانها، كما أن الدستور عهد إلى السلطة التشريعية وحدها تقدير هذا المقتضى، ولازم ذلك أن يكون الأصل هو حرية التنقل، والاستثناء هو المنع منه، وأن المنع من التنقل لا يملكه إلا قاضٍ أو عضو نيابة عامة يعهد إليه القانون بذلك، كما هو نص المادة (41) من دستور 1971، وينظم هذا القانون القواعد الشكلية والموضوعية لإصدار الأمر بذلك في ضوء الضوابط التي وضع الدستور أصولها، وعلى هذا فإن أي نص يخالف هذه الأصول يعتبر منسوخا حتما بقوة الدستور نفسه، باعتباره القانون الأسمى، ولما كان ذلك فإنه ولئن كان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن النيابة العامة شعبة أصيلة من السلطة القضائية، تتولى أعمالا قضائية أهمها وظيفة التحقيق ثم وظيفة الاتهام أمام المحاكم الجنائية، وأن القرارات والإجراءات التي تتخذها بحكم وظيفتها القضائية تعد من صميم الأعمال القضائية، إلا أن النيابة العامة لا تنهض ولايتها في خصوص المنع من السفر إلا على وفق قانون ينظم القواعد الشكلية والموضوعية لإصدار قرارات بذلك، وفي غياب هذا القانون وفي ضوء ما قضت به المحكمة الدستورية العليا بحكمها المذكور سالفا فلا تستنهض النيابة هذه الولاية ولا تقوم لها قائمة، ويكون ما تصدره النيابة في هذا الشأن مجرد إجراء فاقد لسنده الدستوري والقانوني، مما تختص محاكم مجلس الدولة بمراقبته باعتبارها صاحبة الولاية العامة في المنازعات الإدارية، وذلك هو عين ما أكدته محكمة النقض في الطعن رقم 2361 لسنة 55 ق بجلسة 15/11/1988([4]).

ومن حيث إن مقطع النزاع حول المسألة القانونية المثارة يتمثل فيما إذا كان الطعن في قرار النيابة العامة الذي يصدر بمنع أي من المواطنين من السفـــر إلى خارج البلاد –ومن ثم إدراجه على قوائم الممنوعين من السفر– مندرجا ضمن تلك الطعون التي يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري -أصالة– بالفصل فيها، أم أنه غير مندرج ضمن هذه الطعون، وبالتالي لا يكون مجلس الدولة مختصا ولائيا بالفصل فيه.

وحيث إن المادة (41) من دستور جمهورية مصر العربية الصادر عام 1971 تنص على أن: “الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تمس، وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد أو منعه من التنقل إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع، ويصدر هذا الأمر من القاضي المختص أو من النيابة العامة وذلك وفقا لأحكام القانون…”، وهو عين ما نص عليه الإعلان الدستوري الصادر في 30 من مارس 2011 في المادة (8).

وتنص المادة (35) من الدستور الحالي الصادر عام 2012 على أنه: “فيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد ولا تفتيشه ولا حبسه ولا منعه من التنقل ولا تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق…”، وتنص المادة (42) منه على أن: “حرية التنقل والإقامــــة والهجرة مكفولة، ولا يجوز بحال إبعاد أي مواطن عن إقليم الدولة، ولا منعه من العودة إليه، ولا يكون منعه من مغادرة الدولة ولا فرض الإقامة الجبرية عليه إلا بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة”.

وتنص المادة (172) من دستور 1971 على أن: “مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة، ويختص بالفصل فى المنازعات الإدارية وفي الدعاوى التأديبية، ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى”، وهو عين ما نصت عليه المادة (48) من الإعلان الدستوري المشار إليه.

وتنص المادة (174) من الدستور الحالي على أن: “مجلس الدولة جهة قضائية مستقلة يختص دون غيره من جهات القضاء بالفصل في كافة المنازعات الإدارية… ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى”.

وحيث إن مقتضى ما سلف ذكره من نصوص أن الحرية الشخصية بجميع صنوف أوجه ممارستها، وجميع دروب أوجهها، بما في ذلك حرية التنقل سواء داخل البلاد أو إلى خارجها، مصونة ومكفولة دستوريا، بما تكون معه عصية على النيل منها بحرمان، أو تقييد لأوجه ممارستها بافتئات، حيث حظر المشــرع ما يؤدي بها إلى أيٍ مما ذكر، مُضَيِّقا من ولوج أي طريق أو اتخاذ أي إجراء مآله تقييد الحرية، بما في ذلك منع الشخص من التنقل، إلا إذا كان ثمة ضرورة استلزمها التحقيق معه صيانةً لأمن المجتمع، وبحيث يصدر بذلك أمر على وفق أحكام القـــــانون عن القاضي المختص أو النيابة العامة كما هو صريح نص المادة (41) المذكورة سالفا، وهو ما تبناه الإعلان الدستوري الصادر في 30 من مارس 2011، حيث جاء نص المادة (8) منه محاكيا نص هذه المادة، كما جاء نصا المادتين (35) و (42) من الدستور الحالي بنفس مضمون كل من هاتين المادتين فيما يتعلق بصون وكفالة الحرية الشخصية وحظر تقييدها بأي قيد، بما في ذلك المنع من التنقل إلا إذا استلزم ذلك التحقيق مع الشخص، على أن يكون المنع من السفر ومغادرة البلاد بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة.

ومن حيث إنه في ضـوء إعلاء شأن الحرية الشخصية دستوريا، وما انتهجه دستور 1971، ومرورا بالإعلان الدستوري المنوه عنه، وانتهاء بالدستور الحالي، وتَرَسُّما لخطاها جميعا فيما رسخته من أن حرية الانتقال منخرطة في مصاف الحريات العامة لا سيما الحرية الشخصية، بما يجعل تقييدها دون مقتضٍ مشروع تجريدا لهذه الحرية من بعض أوجه ممارستها بل من بعض خصائصها، فلا مندوحة -حتى لا يكون ثمة نيل منها بانتقاص أو حرمان– من أن يكون هناك قانون منظمٌ لموجبات تقييد حرية الشخص في الانتقال ومغادرة البلاد بما لا يقوضها، ومبينٌ لحدود استخدام سلطة المنع من التنقل، وموضحٌ لضمانات عدم استحالةِ إصدار الأمر بذلك إلى سلطة مطلقة عن الضوابط التي تنأى بها عن إساءة استعمالها، ومحددٌ لمدة المنع حتى لا تستحيل مدة مطلقة عن التأقيت، خاصةً أن النيابة العامة التي وسد إليها المشرع الدستوري بالمادة (41) من دستور 1971 –وحاكاه في ذلك الإعلان الدستوري على نحو ما سلف ذكره– كما أنها شعبة أصيلة من السلطة القضائية هي في الوقت نفسه شعبة من السلطة الإدارية على وفق قضاء مستقر للمحكمة الإدارية العليا، وإذا كان ما تتولاه من أعمال وما تقوم به من تصرفات على وفق نصوص حاكمة لذلك بقانون الإجراءات الجنائية هو أعمال وتصرفات قضائية تقوم بها وتتخذها بحسبانها شعبة من السلطة القضائية، فإن ما تتخذه من قرارات خارج نطاق هذه النصوص يعوزه السند لإسباغ الصفة القضائية عليه في جميع الأحوال، وعلى وجه الخصوص حينما يكون من اللازم صدور تشريع ينظم كيفية وحدود إصدار مثل هذه القرارات، كما هو الشأن بالنسبة لقرارات المنع من السفر، التي استلزم المشرع الدستوري أن تصدر على وفق أحكام القانون، الذي لما يصدر حتى تاريخ العمل بالدستور الجديد.

وإنه ليس ثمة تباين فيما سلف ذكــره في ظل الدستــــور الجديد (دستور 2012) الذي جاء نصا المــادتين (35) و (42) فيه غير مُوَسِّدَيْن الأمرَ القضائيَّ المسببَ الذي يصدر بالمنع من السفر إلى جهة قضائية تعيينا لها دون غيرها، بما يجوز معه توسيد إصداره إلى من يُقدِّر المشرع العادي منحَه اختصاصا بذلك، لاسيما مجلس الدولة بحسبانه قاضي المشروعية والأقدر على حماية الحريات، وبما يكون معه ما يصدر عن النيابة العامة من قرارات بالمنع من السفر غير مصطبغة بالصبغة القضائية ريثما يصدر قانون ينظم موجبات هذا المنع، ويبين المختص بإصدار القرار به، ويوضح حدود هذا الاختصاص وضمانات عدم الخروج عليه أو تجاوز حدوده، ويحدد مدة هذا المنع؛ إذ إصدار مثل هذا التشريع ضرورة لتنظيم الحق في التنقل ومغادرة البلاد، وما يستلزم الحدَّ مؤقتا من ممارسة هذا الحق بحسبان ذلك حدا من حرية من الحريات التي تنخرط –كما سلف– في مصاف الحريات العامة، لاسيما أن النص الدستوري غير كاف للتطبيق بذاته بما يكفل هذه الحرية ويصونها، سواء في ظل الدستور السابق أو في ظل الدستور الحالي.

وحيث إنه لما كان ذلك وكان هناك قضاء للمحكمة الدستورية العليا في ظل الدستور السابق قد ذهب بجلسة 4 من نوفمبر سنة 2000 في القضية رقم 243 لسنة 21 ق. الدستورية إلى عدم دستورية نصي المادتين (8) و (11) من القانون رقم 97 لسنة 1959 في شأن جوازات السفر، وسقوط نص المادة (3) من قرار وزير الداخلية رقم 3937 لسنة 1996، استنادا إلى أن حرية الانتقال تنخرط في مصاف الحريات العامة، وأن تقييدها دون مقتضٍ مشروع إنما يجرد الحريـــة الشخصية من بعض خصائصها، ويقوض صحيح بنيانها، كما أن الدستور بنص المادة (41) منه عهد إلى السلطة التشريعية وحدها تقدير هذا المقتضى.

ولازم ذلك أن الأصل هو حريــــة التنقل، والاستثناء هـو المنع منه، وأن المنع من التنقل لا يملكه إلا قاضٍ أو عضو نيابة عامة يعهد إليه القانون بذلك، وينظم القواعد الشكلية والموضوعية لإصدار الأمـر بذلك، في ضوء الضوابط التي وضع الدستور أصولها، وعلى هذا فإن أي نص يخالف هذه الأصول يعتبر منسوخا حتما بقوة الدستور نفسه؛ باعتباره القانون الوضعي الأسمى.

وبالبناء على ذلك فإن النيابة العامة لا تستنهض ولايتها –سواء في ظل الدستور السابق أو الحالي– في خصوص المنع من السفر إلا على وفق قانون ينظم جميع المسائل التي سبقت الإشارة إليها والتي تنظمها تلك القواعد التي نعتتها المحكمة الدستورية العليا بأنها القواعد الشكلية والموضوعية المنظمة لإصدار القرار بالمنع من السفر، ويكون ما تصدره النيابة العامة بمنأى عن تلك القرارات التي تتسم بالصفة القضائية، وتكون بالتالي مندرجة ضمن ما يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بمراقبة مشروعيته؛ بحسبانه صاحب الولاية العامة بالفصل في المنازعات الإدارية والتي ورد النص على ولايته القضائية بشأنها في المادة (172) من الدستور السابق، وشاكلتها المادة (48) من الإعلان الدستوري الصادر في 30 من مارس 2011، ثم قننت هذه الولاية المادة (174) من الدستور الحالي، على وفق صريح نصوص هذه المواد المذكورة سالفا.

ومن حيث إنه فى ضوء ما تقدم جميعه يكون متعينا الحكم باختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالفصل في الدعاوى التي تقام طعنا في القرارات التي تصدر عن النيابة العامة بالمنع من السفر، سواء في ظل الدستور السابق، ومرورا بالإعلان الدستوري الصادر فى 30 من مارس 2011، أو في ظل الدستور الحالي.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة باختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالفصل في الدعاوى التي تقام طعنا على القرارات الصادرة عن النيابة العامة بالمنع من السفر، وذلك على النحو المبين بالأسباب، وأمرت بإعادة الطعن إلى الدائرة المختصة للفصل في موضوعه.

([1]) كانت المادة الثامنة التي قضي بعدم دستوريتها تنص على أن: “يعين بقرار من وزير الداخلية بموافقة وزير الخارجية شكل جواز السفر ومدة صلاحيته وطريقة تجديده وشروط وإجراءات منحه وقيمة الرسوم التي تحصل عنه، بشرط ألا تجاوز مبلغ خمسة جنيهات، يضاف إليها ثلاثة جنيهات رسم إضافي في حالة طلب صرف جواز السفر بصفة عاجلة، كما يعين القرار حالات الإعفاء من الرسم الأصلي والرسم الإضافي كليا أو جزئيا”. وقد قضت المحكمة الدستورية العليا بحكمها المذكور بعدم دستورية هذه المادة فيما تضمنته من تخويل وزير الداخلية بموافقة وزير الخارجية سلطة تحديد شروط منح جواز السفر.

وقد استبدل بنص هذه المادة -بموجب القانون رقم 195 لسنة 2008- النص الآتي: “يعين بقرار من وزير الداخلية بموافقة وزير الخارجية شكل جواز السفر، ومدة صلاحيته، ومواصفاته، وقيمة الرسم الذي يحصل عنه، بشرط ألا تجاوز مئتين وخمسين جنيها، وذلك بالإضافة إلى الرسوم المقررة بقوانين أخرى. ويضاعف الرسم في حالة طلب استخراج جواز سفر بدل فاقد أو تالف. ويلتزم كل خاضع لقانون الخدمة العسكرية والوطنية عند تقدمه لاستخراج جواز سفر، بتقديم ما يفيد أداءه الخدمة العسكرية أو إعفاءه منها وفقاً للقانون. ويجوز استبدال جواز سفر جديد بجواز السفر الساري طالما كان صالحا لمدة أقل من سنة، ولأي أسباب أخرى يقدرها مدير مصلحة الجوازات والهجرة والجنسية. ولا يجوز لأي سبب إضافة أي شخص آخر إلى جواز السفر المقروء آليا”.

وكانت المادة (11) التي قضي بعدم دستوريتها بالحكم المذكور تنص على أنه: “يجوز بقرار من وزير الداخلية لأسباب هامة يقدرها رفض منح جواز السفر أو تجديده، كما يجوز له سحب الجواز بعد إعطائه”.

([2]) كانت هذه المادة تنص على أن: “يكون منح الزوجة جواز سفر أو تجديده بعد تقديم موافقة زوجها على سفرها إلى الخارج, كما يجب تقديم موافقة الممثل القانوني لغير كامل الأهلية على استخراج= = جواز السفر أو تجديده، وفي الحالتين تعتبر الموافقة على استخراج جواز السفر أو تجديده تصريحا بالسفر طوال مدة صلاحية الجواز. ولا يكون إلغاء الموافقة إلا بإقرار من الزوج أو الممثل القانوني بعد التحقق من شخصيته وصحة صدور الإقرار منه أمام الموظف المختص بمصلحة وثائق السفر والهجرة والجنسية وفروعها, أو أمام القنصليات المصرية بالخارج, ويجب وصول هذا الإقرار إلى المصلحة المذكورة أو فروعها قبل السفر بوقت مناسب”.

([3]) على خلاف هذا النظر قضت المحكمة الدستورية العليا لاحقا بجلسة 13/6/2015 في القضية رقم 40 لسنة 27 ق (تنازع) بتعيين جهة القضاء العادي جهة مختصة بنظر التظلم من قرارات النائب العام بالمنع من السفر. وذكرت المحكمة في حيثيات حكمها أن القرار الصادر عن النائب العام بمنع متهم من السفر بمناسبة التحقيقات التي تجريها النيابة العامة يعد إجراء قضائيا من الإجراءات الجنائية التي تباشرها النيابة العامة، ومن ثم تكون جهة القضاء العادي (التي ناط بها المشرع الاختصاص بالفصل في الدعاوى الجنائية) هي الجهة المختصة بنظر المنازعة التي تثار بشأن ذلك القرار؛ لأنه وإذ صدر عن النيابة العامة في شأن منازعة جنائية فإن جهة القضاء العادي تكون هي المختصة بنظر الطعن عليه؛ لأنها صاحبة الولاية العامة بالفصل في كافة المنازعات والجرائم عدا ما تختص به محاكم مجلس الدولة، ولأن المحكمة المختصة بالفصل في أصل النزاع تكون هي المختصة بظر ما يتفرع عنه من منازعات؛ جمعا لأواصر المنازعة، وحرصا على عدم تقطيع أوصالها بين جهات قضائية مختلفة.

وأكدت المحكمة أنه لا ينال من هذا القول بأن القرارات الصادرة عن النائب العام بمنع متهم من السفر بمناسبة التحقيقات التي تجريها يعوزها السند القانوني الذي ينظم هذه القرارات ويحدد إجراءات الطعن عليها؛ لأن تقاعس المشرع العادي عن إصدار هذا التشريع لا يغير من الطبيعة القضائية لتلك= =القرارات، وأنه لا يسوغ بحال إسناد الفصل في المنازعات التي تثيرها تلك القرارات إلى محاكم مجلس الدولة، الذي حددت الدساتير المتعاقبة اختصاصه حصرا في المنازعات الإدارية باعتباره قاضيها الأصيل.

([4]) أكدت محكمة النقض في هذا الحكم أن نص المادة (41) من الدستور القاضي بأن الحرية الشخصية حق طبيعي، وأنها مصونة لا تمس، وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد أو منعه من التنقل إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع، ويصدر هذا الأمر عن القاضي المختص أو من النيابة العامة وذلك وفقا لأحكام القانون، أكدت أن مؤدى هذا النص -وفي ضوء نصوص الدستور الأخرى- أن أوامر القبض على الأشخاص أو تفتيشهم أو حبسهم أو منعهم من التنقل أو السفر أو تقييد حريتهم بأي قيد دون ذلك، هي إجراءات جنائية تمس الحرية الشخصية، لا يجوز تنظيمها إلا بقانون صادر عن السلطة التشريعية، وليس عن سلطة أخرى بناء على تفويض، ولا بأداة أدنى مرتبة. (مجموعة المكتب الفني لمحكمة النقض س 39 جـ 2 ص 1159).

The post الطعن رقم 12251 لسنة 57 القضائية (عليا) appeared first on المدونة.

]]>
الطعن رقم 5371 لسنة 47 القضائية (عليا) https://www.elmodawanaeg.com/%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b9%d9%86-%d8%b1%d9%82%d9%85-5371-%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-47-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b6%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d8%a7-2/ Wed, 08 Apr 2020 14:21:43 +0000 https://www.elmodawanaeg.com/?p=1264 جلسة 1 من مارس سنة 2014 الطعن رقم 5371 لسنة 47 القضائية (عليا) برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ فريد نزيه حكيم تناغو رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة […]

The post الطعن رقم 5371 لسنة 47 القضائية (عليا) appeared first on المدونة.

]]>
جلسة 1 من مارس سنة 2014

الطعن رقم 5371 لسنة 47 القضائية (عليا)

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ فريد نزيه حكيم تناغو

رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة

وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ يحيى أحمد راغب دكروري ومحمد عبد العظيم محمود سليمان وفايز شكري حنين ود.عبد الفتاح صبري أبو الليل ومحمد عبد الحميد عبد اللطيف إبراهيم ود.عبد الله إبراهيم فرج ناصف ولبيب حليم لبيب ومحمود محمد صبحي العطار وحسن كمال محمد أبو زيد شلال وأحمد عبد الحميد حسن عبود.

نواب رئيس مجلس الدولة

………………………………………………………………

المبادئ المستخلصة:

(أ) مجلس الدولة– دائرة توحيد المبادئ- للمحكمة الإدارية العليا إذا تبين لها أن هناك تعارضا بين حكم صادر عنها وحكم صادر عن محكمة النقض، أو فتوى للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع أن تحيل الأمر إلى دائرة توحيد المبادئ للفصل في المسألة([1]).

(ب) اختصاص– ما يدخل في الاختصاص الولائي لمحاكم مجلس الدولة- المنازعات المتعلقة بالضريبة العامة على المبيعات([2]).

  • المادة (174) من دستور 2012.
  • المادتان 17 و 35 من قانون الضريبة العامة على المبيعات، الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991، معدلتين بموجب القانون رقم 9 لسنة 2005.
  • حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 162 لسنة 31 القضائية (دستورية) بجلسة 7/4/2013.

(ج) المحكمة الدستورية العليا– آثار الأحكام الصادرة في الدعاوى الدستورية- تحوز هذه الأحكام حجية مطلقة، وتعد قولا فصلا لا يقبل تعقيبا أو تأويلا من أية جهة- لا تقتصر حجيتها على أطراف الدعوى الدستورية بل تمتد إلى الجميع، وإلى جميع سلطات الدولة بما فيها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها- الأصل أن القضاء بعدم دستورية نص تشريعي هو حكم كاشف لما لحق النص من عوار دستوري، ويؤدي إلى زوال النص منذ بدء العمل به- يستثنى من ذلك: الحكم بعدم دستورية نص ضريبي، فلا يكون له إلا أثر مباشر؛ حتى لا تضطرب موازنة الدولة- هذا الاستثناء يقدر بقدره فلا يجوز التوسع فيه أو القياس عليه- تتولى محكمة الموضوع دون غيرها إعمال آثار الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية وتحديد نطاقها ومدى سريانها بأثر رجعي في الحدود الواردة بنص المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا.

  • المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، معدلة بموجب القانون رقم 168 لسنة 1998.

(د) ضرائب– الضريبة العامة على المبيعات- وعاؤها- تخضع لهذه الضريبة أعمال مقاولات التشييد والبناء- الأثر الكاشف لحكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية عبارة “خدمات التشغيل للغير” الواردة بالقانون رقم 11 لسنة 2002 بتفسير بعض أحكام قانون الضريبة العامة على المبيعات- عدم الدستورية ينصب على هذه العبارة وحدها، ولا يتعداها إلى الخدمات ذاتها الواردة بهذا القانون، ومنها أعمال مقاولات التشييد والبناء.

  • المادة (2) من قانون الضريبة العامة على المبيعات، الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991.
  • المادتان (1) و (2) من القانون رقم 11 لسنة 2002 بتفسير بعض أحكام قانون الضريبة العامة على المبيعات.
  • حكم المحكمة الدستورية العليا بجلسة 15/4/2007 في القضية رقم 232 لسنة 26 القضائية (دستورية).

(هـ) مجلس الدولة– دائرة توحيد المبادئ- ليس ثمة مانع من أن تفصل دائرة توحيد المبادئ في الطعن بجميع أشطاره متى كان صالحا للفصل فيه؛ إعمالا لمبدأ الاقتصاد في إجراءات الخصومة، الذي يهدف إلى تحقيق العدالة الناجزة([3]).

الإجراءات

في يوم الخميس الموافق 1/3/2001 أودعت هيئة قضايا الدولة بصفتها نائبة عن الطاعنين قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريرا بالطعن، قيد بجدولها برقم 5371 لسنة 47 ق.ع في الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري بجلسة 9/1/2001، في الدعوى رقم 2123 لسنة 53 ق، الذي قضى بإلغاء القرار المطعون فيه، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام جهة الإدارة المصروفات.

وطلب الطاعنان –للأسباب الواردة بتقرير الطعن– قبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا برفض الدعوى، وإلزام المطعون ضده المصروفات عن درجتي التقاضي.

وقد أعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضده على النحو الثابت بالأوراق.

وأعدت هيئة مفوضي الدولة تقريرا بالرأي القانوني ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلا، ورفضه موضوعا، وإلزام الجهة الإدارية الطاعنة المصروفات.

وتدوول الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الخامسة فحص الطعون ومن بعدها دائرة الموضـوع) على النحو الثابت بمحاضر جلسات كل منهما، وبجلسة 9/1/2010 أحيل الطعن إلى دائرة توحيد المبادئ للنظر في العدول عن المبدأ الذي قررته المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 5903 لسنة 47 ق.ع بجلسة 26/1/2008 والطعن رقم 8357 لسنة 47 ق. عليا بجلسة 5/7/2008.

وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرا بالرأي القانوني ارتأت فيه سريان الأثر الكاشف لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 15/4/2007 في القضية رقم 232 لسنة 26 ق. دستورية بخصوص الضريبة العامة على المبيعات المفروضة على خدمات التشغيل للغير في جميع الحالات التي لم يطبق بشأنها النص المقضي بعدم دستوريته ولم تحصل فيها الضريبة، وبعدم سريان هذا الأثر الكاشف بصدد الحالات التي تم فيها تحصيل الضريبة قبل صدور ذلك الحكم، وإعادة الطعن إلى الدائرة الخامسة (موضوع) بالمحكمة الإدارية العليا.

وبجلسة 2/7/2011 قضت المحكمة بوقف الطعن تعليقيا لحين الفصل في الطعن رقم 12042 لسنة 47 ق.ع (أمام هذه الدائرة) والموقوف بدوره تعليقيا لحين الفصل في القضية رقم 162 لسنة 31 ق. دستورية المنظورة أمام المحكمة الدستورية العليا([4]).

وعقب زوال سبب الوقف التعليقي تدوول الطعن على النحو الثابت بمحاضر الجلسات، وبجلسة 4/1/2014 قررت المحكمة إصدار الحكم في الطعن بجلسة اليوم، وصرحت للخصوم بمذكرات خلال شهر، وفي 12/1/2014 أودعت هيئة قضايا الدولة مذكرة بالدفاع التمست في ختامها الحكم بالطلبات الواردة بتقرير الطعن، وقد صدر هذا الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.

من حيث إن الطعن استوفى إجراءاته الشكلية المقررة قانونا.

ومن حيث إن عناصر المنازعة تخلص -حسبما يبين من الأوراق- في أن المطعون ضده كان قد أقام الدعوى رقم 2123 لسنة 53 ق أمام محكمة القضاء الإدارى (الدائرة الرابعة) بتاريخ 28/11/1998، وطلب فى ختامها إلغاء قرار لجنة التحكيم العالية الصادر في 4/10/1998 فيما تضمنه من فرض ضريبة مبيعات على نشاط المدعي فى مجال المقاولات عن أشهر 9 و 12 لسنة 1997 ، و1 و2 لسنة 1998.

وبجلسة 9/1/2001 قضت محكمة القضاء الإداري بقبول الدعوى شكلا، وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار، وشيدت المحكمة قضاءها على أسباب تخلص في عدم خضوع نشاط المقاولات للضريبة العامة على المبيعات (المقررة بالقانون رقم 11 لسنة 1991)؛ لأن عبارة: “خدمات التشغيل للغير” المضافة إلى الجدول رقم (2) بقرار رئيس الجمهورية رقم 77 لسنة 1992 لا تشمل عقود المقاولات.

لم يلق هذا الحكم قبولا لدى جهة الإدارة، فأقامت الطعن الماثل أمام الدائرة الخامسة بالمحكمة الإدارية العليا التي قررت بجلسة 9/1/2010 إحالة الطعن إلى دائرة توحيد المبادئ بعد أن تبين لها أن الحكمين الصادرين عن المحكمة الإدارية العليا بجلسة 26/1/2008 في الطعن رقم 5903 لسنة 47 ق.ع وبجلسة 5/7/2008 في الطعن رقم 8357 لسنة 47 ق.ع لم يطبقا الأثر الكاشف لقضاء المحكمة الدستورية العليا في حكمها الصادر بجلسة 15/4/2007 في القضية رقم 232 لسنة 26 ق. دستورية، بينما انتهجت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع ومحكمة النقض منهجا آخر مغايرا لما انتهجته المحكمة الإدارية العليا، وذلك على النحو التالي:

(أولا) اتجاه المحكمة الإدارية العليا:

1- بجلسة 26/1/2008 في الطعن رقم 5903 لسنة 47 ق.ع، كان المطروح على محكمة القضاء الإداري دعوى بإلغاء قرار مصلحة الضرائب فيما تضمنه من إخضاع نشاط (نقل البضائع بالسيارات) للضريبة العامة على المبيعات، وقضت المحكمة بإلغاء القرار المطعون فيه تأسيسا على أن عبارة “خدمات التشغيل للغير” تنصرف للخدمات الواردة بالجدول المرافق للقانون دون غيرها، وطعنت جهة الإدارة على هذا الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا التى قضت بإلغاء ذلك الحكم وبرفض الدعوى، وشيدت قضاءها على أسباب تخلص في أن عدم الدستورية الوارد بمنطوق الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا بجلسة 15/4/2007 في القضية رقم 232 لسنـــة 26 ق ينصب على العبــارة فقـط، ولا يتعداها إلى الخدمات الواردة بالقانون رقم 11 لسنة 2002، ولما كان نشاط نقل البضائع بالسيارات يندرج في تلك الخدمات فمن ثم يخضع للضريبة بالفئة المقررة قانونا.

2- بجلسة 5/7/2008 فى الطعن رقم 8357 لسنة 47 ق.ع كان المطروح على محكمة القضاء الإداري دعوى بإلغاء قرار مصلحة الضرائب فيما تضمنه من إخضاع نشاط المقاولات للضريبة العامة على المبيعات، وقضت المحكمة بإلغاء القرار المطعون فيه تأسيسا على أن نشاط المقاولات لم يرد بالجدول رقم (2) المرافق للقانون المذكور، كما أنه لا يندرج في مفهوم خدمات التشغيل للغير، وطعنت جهة الإدارة على هذا الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا فقضت بإلغاء ذلك الحكم وبرفض الدعوى، وشيدت قضاءها على أسباب تخلص في أن أعمال المقاولات تندرج ضمن عبارة “خدمات التشغيل للغير” طبقا للتفسير الوارد بالقانون رقم 11 لسنة 2002.

ولم يتعرض الحكمان المشار إليهما للأثر الكاشف لحكم المحكمة الدستورية العليا المبين سالفا اكتفاء بأنه قضى بعدم دستورية الأثر الرجعي للقانون رقم 11 لسنة 2002 بتفسير بعض أحكام قانون الضريبة العامة على المبيعات، وبأن المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا بعد تعديلها بالقانون رقم 168 لسنة 1998 قصرت الأثر الرجعي بالنسبة للنصوص الضريبية على من صدر الحكم لمصلحته دون غيره.

 (ثانيا) اتجاه محكمة النقض والجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع:

اتجهت محكمة النقض في أحكام عديدة (منها حكمها بجلسة 12/2/2009 في الطعن رقم 204 لسنة 70 ق، وبجلسة 26/2/2009 في الطعن رقم 1853 لسنة 67 ق، وبجلسة 23/4/2009 في الطعن رقم 1077 لسنة 68 ق) إلى إعمال الأثر الكاشف لحكم المحكمة الدستورية العليا المشار إليه، والقضاء بالأحقية في المبالغ التي تم تحصيلها على ذمة ضريبة المبيعات المفروضة على عقود المقاولات في الطعن الأول، وعلى نشاط النقل بالسيارات في الطعنين الثاني والثالث، وسارت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع على نفس النهج بفتواها الصادرة بتاريخ 12/7/2007 بالملف رقم 37/2/650.

………………………………………….

ومن حيث إن الطعن الماثل يثير البحث في مسألتين:

(الأولى) الاختصاص الولائي بنظر المنازعات المتعلقة بالضريبة العامة على المبيعات.

و(الثانية) حدود الأثر الكاشف لحكم المحكمة الدستورية العليا بجلسة 15/4/2007 في القضية رقم 232 لسنة 26 ق. دستورية.

ومن حيث إنه عن الاختصاص الولائي بنظر المنازعات المتعلقة بالضريبة العامة على المبيعات فإن المادة 17 من قانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991 (معدلا بالقانون رقم 9 لسنة 2005) نصت في فقرتها الأخيرة على أن:”… وللمسجل الطعن في تقدير المصلحة أمام المحكمة الابتدائية خلال ثلاثين يوما من تاريخ صيرورته نهائيا”، ونصت الفقرة السادسة من المادة (35) من القانون المذكور على أنه: “… وفي جميع الأحوال يحق لصاحب الشأن الطعن على القرار الصادر من لجنة التظلمات أمام المحكمة الابتدائية خلال ثلاثين يوما من تاريخ إخطاره”.

ومن حيث إن المحكمة الدستورية العليا قضت بجلسة 7/4/2013 في القضية رقم 162 لسنة 31 ق بعدم دستورية نصي الفقرتين المشار إليهما، تأسيسا على أن المشرع الدستوري بدءا من دستور 1971 حرص على دعم مجلس الدولة الذي أصبح -منذ استحداث نص المادة (172) منه– جهة قضائية قائمة بذاتها محصنة ضد أي عدوان عليها أو على اختصاصها المقرر دستوريا يقع عن طريق المشرع العادي، وهو ما أكده الإعلان الدستوري الصادر بتاريخ 30/3/2011 الذي أورد الحكم نفسه في المادة (48) منه والمادة (174) من الدستور الحالي الصادر بتاريخ 25/12/2012 التى تنص على أن: “مجلس الدولة جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره من جهات القضاء بالفصل في كافة المنازعات الإدارية…”.

ولم يقف دعم المشرع الدستورى لمجلس الدولة عند هذا الحد، بل جاوزه إلى إلغاء القيود التى كانت تقف حائلا بينه وبين ممارسته لاختصاصه، فاستحدث بالمادة (68) من دستور سنة 1971 نصا يقضي بأن التقاضي حق مكفول للناس كافة، وأن لكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، وأن تكفل الدولة تقريب جهات القضاء من المتقاضين، وسرعة الفصل في القضايا، وأنه يحظر النص على تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء.

وقد سار الدستور الحالي على هذا النهج، فردد في المادة (75) منه الأحكام نفسها، كما حظر فيها بنص صريح إنشاء المحاكم الاستثنائية، وبذلك سقطت جميع النصوص القانونية التي كانت تحظر الطعن في القرارات الإدارية، وأزيلت جميع العوائق التي كانت تحول بين المواطنين والالتجاء إلى مجلس الدولة بوصفه القاضي الطبيعي للمنازعات الإدارية، وإذا كان المشرع الدستوري بنصه على أن: “لكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي” قد دل على أن هذا الحق في أصل شرعته هو حق للناس كافة تتكافأ فيه مراكزهم القانونية في سعيهم لرد العدوان على حقوقهم، والذود عن مصالحهم الذاتية، وأن الناس جميعا لا يتمايزون فيما بينهم في مجال حقهم في النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي، ولا في نطاق القواعد الإجرائية أو الموضوعية التي تحكم الخصومة القضائية، ولا في مجال التداعي بشأن الحقوق المدعى بها على وفق مقاييس موحدة عند توفر شروطها، إذ ينبغي دائما أن يكون للخصومة الواحدة قواعد موحدة سواء في مجال اقتضائها أو الدفاع عنها أو الطعن في الأحكام التي تصدر فيها، وكان مجلس الدولة قد غدا في ضوء الأحكام المتقدمة قاضي القانون العام، وصاحب الولاية العامة دون غيره من جهات القضاء بالفصل في جميع المنازعات الإدارية إلا ما يتعلق منها بشئون أعضاء الجهات القضائية المستقلة الأخرى التي ينعقد الاختصاص بنظرها والفصل فيها لتلك الجهات، سواء ورد النص على ذلك صراحة في الدستور أو تركه للقانون، كذلك يخرج عن نطاق الولاية العامة لمجلس الدولة الفصل في جميع المنازعات الإدارية الخاصة بالقرارات الصادرة في شأن ضباط وأفراد القوات المسلحة، فينعقد الاختصاص بها للجان القضائية الخاصة بهم طبقا لنص المادة (196) من الدستور الحالي.

ومن حيث إنه من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن الأصل في الضريبة العامة أنها فريضة مالية تقتضيها الدولة جبرا بما لها من ولاية على إقليمها لتنمية مواردها، باعتبار أن حصيلتها تعد إيرادا عاما يئول إلى الخزانة العامة ليندمج مع غيره من الموارد التي يتم تدبيرها لتشكل جميعها نهرا واحدا لإيراداتها الكلية، وأن نص القانون هو الذي ينظم رابطتها محيطا بها، مبينا حدود العلاقة بين الملتزم بها من ناحية والدولة التي تفرضها من ناحية أخرى، سواء في مجال تحديد الأشخاص الخاضعين لها أو الأموال التي تسري عليها، وشروط سريانها، وسعر الضريبة، وكيفية تحديد وعائها، وقواعد تحصيلها، وأحوال الإعفاء منها والجزاء على مخالفة أحكامها.

ومن حيث إنه متى كان ذلك، وكان قانون الضريبة إذ يصدر على هذا النحو فإنه ينظم رابطتها تنظيما شاملا يدخل في مجال القانون العام، ويبرز ما للخزانة العامة من حقوق قبل الممول، وامتيازاتها عند مباشرتها، وبوجه خاص في مجال توكيده حق الإدارة المالية في المبادأة بتنفيذ دين الضريبة على الممول، وتأثيم محاولة التخلص منه، وإذا كان حق الخزانة العامة في جباية الضريبة يقابله حق الممول في فرضها وتحصيلها على أسس عادلة، إلا أن المحقَّق أن الالتزام بالضريبة ليس التزاما تعاقديا ناشئا عن التعبير المتبادل عن إرادتين متطابقتين، بل مرد هذا الالتزام إلى نص القانون وحده، فهو مصدره المباشر، وإذا كانت الدولة تتدخل لتقرير الضريبة وتحصيلها فليس باعتبارها طرفا في رابطة تعاقدية أيا كان مضمونها، ولكنها تفرض في إطار من قواعد القانون العام الأسس الكاملة لعلاقة قانونية ضريبية لا يجوز التبديل أو التعديل فيها أو الاتفاق على خلافها.

ومن حيث إن المشرع قد أقر بالطبيعة الإدارية للطعون في القرارات النهائية الصادرة عن الجهات الإدارية في منازعات الضرائب والرسوم، بدءا من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة (الذي أسند بنص البند سابعا من المادة 8 منه لمجلس الدولة بهيئة قضاء إداري الاختصاص بالفصل في تلك المنازعات، وأوضحت المذكرة الإيضاحية لهذا القانون أن الاختصاص بنظر هذه الطعون تقرر لمجلس الدولة باعتبار أنها ذات طبيعة إدارية بحتة)، وقد جرى قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 55 لسنة 1959 في شأن تنظيم مجلس الدولة على النهج نفسه، فنص في البند سابعا من مادته رقم (8) على الحكم نفسه، وأكدت هذا الاختصاص المادة (10) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة (التي عقدت في البند السادس منها الاختصاص لمحاكم مجلس الدولة دون غيرها بالفصل في الطعون في القرارات النهائية الصادرة عن الجهات الإدارية في منازعات الضرائب والرسوم على وفق القانون الذي ينظم كيفية نظر هذه المنازعات أمام مجلس الدولة).

ومن حيث إنه متى كان ذلك، وكان المرجع في تحديد بنيان الضريبة العامة على المبيعات، وعناصرها ومقوماتها وأوضاعها وأحكامها المختلفة، بما في ذلك السلع والخـدمات الخاضعة للضريبة والمكلفين بها والملتزمين بعبئها وقيمة الضريبة المستحقة ومدى الخضوع لها والإعفاء منها إلى قانون هذه الضريبة، وإلى القرار الصادر عن الجهة الإدارية المختصة تنفيذا لأحكامه؛ فإن المنازعة في هذا القرار تعد منازعة إدارية بحسب طبيعتها، وتندرج ضمن الاختصاص المحدد لمحاكم مجلس الدولة طبقا لنص المادة (174) من الدستور الحالي الصادر في 25/12/2012.

ومن حيث إنه بناء على حكم المحكمة الدستورية العليا المشار إليه فإن المنازعة الماثلة تدخل في نطاق الاختصاص الولائي لمجلس الدولة بهيئة قضاء إداري، ويكون الطعن على الأحكام الصادرة فيها من اختصاص المحكمة الإدارية العليا.

ومن حيث إنه عن الأثر الكاشف للحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا بجلسة 15/4/2007 في القضية رقم 232 لسنة 26 ق. دستورية فإن المادة (49) من القانون رقم 48 لسنة 1979 بإصدار قانون المحكمة الدستورية العليا (المعدلة بالقانون رقم 168 لسنة 1998) تنص على أن: “أحكام المحكمة في الدعاوى الدستورية وقراراتها بالتفسير ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة. وتنشر الأحكام والقرارات المشار إليها في الفقرة السابقة في الجريدة الرسمية وبغير مصروفات خلال خمسة عشر يوما على الأكثر من تاريخ صدورها. ويترتب على الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم ما لم يحدد الحكم لذلك تاريخا آخر، على أن الحكم بعدم دستورية نص ضريبي لا يكون له فى جميع الأحوال إلا أثر مباشر، وذلك دون إخلال باستفادة المدعي من الحكم الصادر بعدم دستورية هذا النص…”.

ومن حيث إن المستقر عليه أن الأحكام الصادرة في الدعاوى الدستورية تحوز حجية مطلقة، وتعد قولا فصلا لا يقبل تعقيبا أو تأويلا من أية جهة، ولا تقتصر حجيتها على أطراف الدعوى الدستورية بل تمتد إلى الجميع، وإلى جميع سلطات الدولة بفروعها وتنظيماتها المختلفة، بما فيها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، ومن ثم فإن محكمة الموضوع هي التى تتولى دون غيرها إعمال آثار الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية وتحديد نطاقها ومدى سريانها بأثر رجعي في الحدود الواردة بنص المادة (49) من القانون رقم 48 لسنة 1979 المشار إليه.

ومن حيث إن الأصل أن القضاء بعدم دستورية نص تشريعي هو حكم كاشف لما لحق النص من عوار دستوري، ويؤدي إلى زوال النص منذ بدء العمل به، ويستثنى من ذلك: الحكم بعدم دستورية نص ضريبي، فلا يكون له إلا أثر مباشر، وقد كشفت المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 168 لسنة 1998 (الذي أتى بهذا التعديل التشريعي على نص المادة 49 من القانون رقم 48 لسنة 1979 المشار إليه) عن العلة من هذا الاســــتثناء، وهي أن إبطال المحكمة نصا ضريبيا بأثر رجعي يؤدي إلى رد حصيلتها إلى الذين دفعوها، في الوقت الذي تكون فيه الدولة قد أنفقت تلك الحصيلة في تغطية أعبائها، مما يعجزها عن مواصلة تنفيذ خطتها في مجال التنمية، ويعوقها عن تطوير أوضاع مجتمعها، بل إنه قد يحملها على فرض ضرائب جديدة لسد العجز في موازنتها، الأمر الذي يرتب آثارا خطيرة تنعكس سلبا على المجتمع وتؤدي إلى اضطراب موازنة الدولة فلا تستقر مواردها على حال.

ومن حيث إنه بناء على ما تقدم فإن الأثر المباشر للحكم بعدم دستورية نص ضريبي هو استثناء من الأصل المقرر، وهو رجعية الحكم بعدم دستورية نص تشريعي، وهذا الاستثناء يقدر بقدره فلا يجوز التوسع فيه أو القياس عليه.

ومن حيث إن المادة (2) من قانون الضريبة العامة على المبيعات، الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991 تنص على أن: “تفرض الضريبة العامة على المبيعات على السلع المصنعة المحلية والمستوردة إلا ما استثني بنص خاص، وتفرض الضريبة على الخدمات الواردة بالجدول رقم (2) المرافق لهذا القانون…”.

ومن بين الخدمات المنصوص عليها بالجدول: “خدمات التشغيل للغير”.

ومن حيث إن القانون رقم 11 لسنة 2002 بتفسير بعض أحكام قانون الضريبة العامة على المبيعات نص فى مادته الأولى على أن “تفسر عبارة (خدمات التشغيل للغير) الواردة قرين المسلسل رقم (11) من الجدول رقم (2) المرافق لقانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991، بأنها: الخدمات التي تؤدى للغير باستخدام أصول أو معدات مورد الخدمة المملوكة له أو للغير، ويتم تشغيلها بمعرفة مورد الخدمة أو قوة العمل التابعة له أو تحت إشرافه، وهي جميع أعمال التصنيع، بما في ذلك تشغيل المعادن، وأعمال تغيير حجم أو شكل أو طبيعة أو مكونات المواد، وأعمال تأجير واستغلال الآلات والمعدات والأجهزة، وأعمال مقاولات التشييد والبناء، وإنشاء وإدارة شبكات البنية الأساسية وشبكات المعلومات، وخدمات نقل البضائع والمواد، وأعمال الشحن والتفريغ والتحميل والتستيف والتعتيق والوزن، وخدمات التخزين، وخدمات الحفظ بالتبريد، وخدمات الإصلاح والصيانة وضمان ما بعد البيع، وخدمات التركيب، وخدمات إنتاج وإعداد مواد الدعاية والإعلان، وخدمات استغلال الأماكن المجهزة”.

ومن حيث إن القانون رقم 11 لسنة 2002 المشار إليه تضمن في صدر مادته الثانية أثرا رجعيا، وأحيلت المنازعة في شأنه إلى المحكمة الدستورية العليا التي قضت بجلسة 15/4/2007 في القضية رقم 232 لسنة 29 ق.ع بما يلي: (أولا) عدم دستورية عبارة خدمات التشغيل للغير الواردة قرين المسلسل رقم (11) من الجدول رقم (2) المرافق لقانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991 المعدل بالقانون رقم 2 لسنة 1997 ([5]). (ثانيا) عدم دستورية صدر المادة (2) من القــــــانون رقم 11 لســــنة 2002 بتفسير بعض أحكام قانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991 الذي ينص على أنه: “مع مراعاة الأثر الكاشف لهذا القانون”([6]).

ومن حيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أنه بالنسبة لما جاء بمنطوق الحكم بعدم دستورية عبارة “خدمات التشغيل للغير” فإن عدم الدستورية ينصب على هذه العبارة وحدها، ولا يتعداها إلى الخدمات ذاتها الواردة بالقانون رقم 11 لسنة 2002، ومنها أعمال مقاولات التشييد والبناء (محل التداعى بالطعن الماثل)، ومفاد ذلك أن أعمال مقاولات التشييد والبناء تخضع للضريبة العامة على المبيعات.

ومن حيث إنه ليس ثمة مانع من أن تفصل دائرة توحيد المبادئ في الطعن بجميع أشطاره متى كان صالحا للفصل فيه، وذلك إعمالا لمبدأ الاقتصاد في إجراءات الخصومة الذي يهدف إلى تحقيق العدالة الناجزة.

(الحكم الصادر عن هذه الدائرة بجلسة 21/4/1991 في الطعن رقم 2382 لسنة 32 ق.ع)

ومن حيث إن الثابت من الأوراق أن المطعون ضده ينازع جهة الإدارة في ضريبة المبيعات التي تم تحصيلها منه عن نشاطه في أعمال المقاولات عن شهري 9 و 12 لسنة 1997 وشهري 1 و 2 لسنة 1998، لما كان ذلك، وكان حكم المحكمة الدستورية العليا بجلسة 15/4/2007 في القضية رقم 232 لسنة 26 ق المشار إليه لا يسري بأثر رجعي، ومن ثم يكون تحصيل تلك الضريبة من المطعون ضده متفقا وصحيح حكم الواقع والقانون، وتكون دعوى المطعون ضده غير قائمة على سند من القانون حرية بالرفض، وإذ ذهب الحكم المطعون فيه إلى غير ما تقدم فإنه يكون مخالفا للقانون مستوجبا الإلغاء.

ومن حيث إن من خسر الطعن يلزم مصروفاته عملا بنص المادة (270) من قانون المرافعات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة:

(أولا) باختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر المنازعات المتعلقة بالضريبة العامة على المبيعات.

(ثانيا) بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الدعوى، وألزمت المطعون ضده المصروفات عن درجتي التقاضي.

([1]) يراجع كذلك المبدأ رقم (40/أ)  في هذه المجموعة.

([2]) يراجع المبدأ رقم (89) في هذه المجموعة، حيث كانت دائرة توحيد المبادئ قد قررت وقف هذا الطعن تعليقيا إلى حين الفصل في الطعن رقم 12042 لسنة 47 ق. عليا. وقد قررت المحكمة المبدأ نفسه في الطعن رقم 14678 لسنة 52 ق ع (يراجع المبدأ رقم 102 في هذه المجموعة).

([3]) تراجع كذلك المبادئ أرقام (15/أ) و(16/أ) و (17/د) و(67/أ) و (68/أ) و (71/أ) و (102/د) و (110/ز) في هذه المجموعة.

([4]) بجلسة 4/1/2014 قررت دائرة توحيد المبادئ إعادة الطعن رقم 12042 لسنة 47 ق.ع إلى الدائرة الخامسة عليا (موضوع) للفصل فيه في ضوء حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 7/4/2013 في القضية رقم 162 لسنة 31 ق. دستورية، الذي قضت فيه بعدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (17)، ونص الفقرة السادسة من المادة (35) من قانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991، المعدل بالقانون رقم 9 لسنة 2005.

([5]) تأسس قضاء المحكمة الدستوزرية العليا في هذا الخصوص على أساس أن عبارة “خدمات التشغيل للغير” المشار إليها قد وردت عامة، يشوبها الغموض وعدم التحديد، ولم تأت واضحة صريحة، مما أثار ظلالا من الشك حول تحديد مضمونها ومحتواها، وخلافا حول تطبيقها، وحال بين المكلفين بأدائها والإحاطة بالعناصر التي تقيم البناء القانوني لهذه الضريبة على نحو يقيني جلي، استحال معه عليهم بوجه عام توقعها عند مزاولتهم للنشاط وأدائهم للخدمة، وهو ما يناقض الأسس الموضوعية والإجرائية للضريبة، ويجافي العدالة الاجتماعية التي يقوم عليها النظام الضريبي.

([6]) تأسس قضاء المحكمة الدستورية العليا في هذا الخصوص على أساس أن القانون رقم 11 لسنة 2002 المشار إليه قد جرى إنفاذه على الوقائع السابقة على تاريخ العمل به، باعتباره تفسيرا تشريعيا ذا أثر كاشف، حال كونه في حقيقته الأثر الرجعي بعينه، وعلى الرغم من أنه قد توفرت لهذا القانون الأوضاع الشكلية التي تطلبها الدستور لإقرار القوانين رجعية الأثر، وهي موافقة أغلبية أعضاء مجلس الشعب، غير أن ذلك لا يعصمه من الرقابة التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا؛ إذ لا يكفي لتقرير دستورية نص تشريعي أن يكون من الناحية الإجرائية موافقا للأوضاع الشكلية التي يتطلبها الدستور، بل يتعين فوق هذا أن يكون في محتواه الموضوعي غير منطوٍ على إهدار لحق من الحقوق التي كفلها الدستور، أو متضمنا فرض قيود عليه تؤدي إلى الانتقاص منه، وأن يكون ملتئما مع القواعد الموضوعية في الدستور، وهو ما = = يتقيد به المشرع عند تقرير الرجعية، خاصة في مجال الضريبة، والتي يتعين ألا يلجأ إليها إلا إذا أملتها مصلحة عامة جوهرية، وذلك بالنظر للآثار الخطيرة التي تحدثها الرجعية في محيط العلاقات القانونية، وهو ما لم يراعه المشرع بالنسبة للأثر الرجعي الذي تضمنه القانون الطعين، الذي استهدف تصحيح الأوضاع التشريعية السابقة عليه وما شابها من أخطاء، متخذا من جباية الأموال في ذاتها منهجا، بما لا يعد مصلحة جوهرية مشروعة تبرره، كما لا يعتبر هدفا يحميه الدستور، فضلا عن مصادمته للتوقع المشروع من جانب المكلفين بأداء هذه الضريبة، والذي ينافيه غموض عبارة “خدمات التشغيل للغير” وعدم تحديدها للبناء القانوني للضريبة على نحو يتحقق به علم المكلفين بها -بالأداة التي حددها الدستور- بالعناصر التي يقوم عليها على نحو يقيني واضح، بحيث لا يكون عبؤها ماثلا في أذهانهم، بما يجعل تقرير الأثر الرجعي في هذه الحالة نوعا من المداهمة والمباغتة تفتقر لمبرراتها، ليصير تقريره على هذا النحو بعيدا عن الموازين الدستورية لفرض الضريبة، ومناقضا لمفهوم العدالة الاجتماعية، كما يعد عدوانا على الملكية الخاصة من خلال اقتطاع بعض عناصرها دون مسوغ، الأمر الذي يضحى معه صدر المادة (2) من القانون رقم 11 لسنة 2002 في نصها على أنه “مع مراعاة الأثر الكاشف لهذا القانون” مخالفا للدستور.

The post الطعن رقم 5371 لسنة 47 القضائية (عليا) appeared first on المدونة.

]]>